بقلم: الدكتور حسن محمد الشاعر
نائب رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق ومدير مركز التميز المصري للزراعة الملحية
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القطاع الزراعي المصري، وفي مقدمتها محدودية الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية، بات من الضروري البحث عن محاصيل غير تقليدية تمتلك القدرة على تحقيق الأمن الغذائي مع الحفاظ على الموارد الطبيعية. ومن بين هذه المحاصيل يبرز نبات «الدخن» باعتباره أحد أهم الخيارات الاستراتيجية القادرة على المساهمة في سد الفجوة الغذائية للإنسان والحيوان في آن واحد.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدخن ليس مجرد محصول حبوب تقليدي، بل يمثل أحد الحلول العملية لمواجهة تحديات المستقبل. فالنبات يتميز بقدرته الفائقة على النمو في البيئات الجافة وشبه الجافة، وتحمل درجات الحرارة المرتفعة، والاستمرار في الإنتاج تحت ظروف نقص المياه وملوحة التربة، وهي ظروف أصبحت أكثر انتشاراً في العديد من المناطق الزراعية نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة.
وتكتسب أهمية الدخن من قيمته الغذائية العالية، إذ تحتوي حبوبه على نسب جيدة من البروتين والكربوهيدرات والألياف الغذائية، فضلاً عن احتوائها على عناصر معدنية مهمة مثل الحديد والزنك والكالسيوم والمغنيسيوم. كما يتميز بخلوه من الجلوتين، ما يجعله غذاءً مناسباً للأشخاص الذين يعانون من حساسية القمح، ويفتح المجال أمام إنتاج العديد من الأغذية الصحية ذات القيمة المضافة العالية.
ومن منظور الأمن الغذائي، يمثل الدخن فرصة حقيقية لتنويع مصادر الغذاء وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المحاصيل التقليدية. فالعالم اليوم يواجه تحديات متزايدة في إنتاج الغذاء نتيجة الضغوط السكانية والبيئية، الأمر الذي يتطلب توسيع قاعدة المحاصيل القادرة على توفير الغذاء بكفاءة واستدامة. وفي هذا الإطار، يمكن للدخن أن يؤدي دوراً مهماً في دعم الأمن الغذائي المصري من خلال توفير حبوب غذائية ذات قيمة عالية يمكن استخدامها في إنتاج الخبز ومنتجات الحبوب والأغذية الصحية المختلفة.
ولا تتوقف أهمية الدخن عند حدود الغذاء البشري، بل تمتد بصورة أكبر إلى قطاع الثروة الحيوانية، الذي يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي في مصر. فالدخن يعد من المحاصيل متعددة الاستخدامات، حيث يمكن استغلاله كعلف أخضر عالي الجودة، أو تحويله إلى دريس وسيلاج، كما يمكن استخدام حبوبه في علائق المجترات والدواجن كمصدر جيد للطاقة والعناصر الغذائية.
وتعاني مصر منذ سنوات من فجوة واضحة في الأعلاف الخضراء والمركزة، الأمر الذي ينعكس على تكلفة إنتاج اللحوم والألبان والدواجن. ومن هنا تبرز أهمية التوسع في زراعة الدخن باعتباره أحد الحلول الواعدة لتقليل هذه الفجوة، خاصة أن إنتاجيته من المادة الجافة مرتفعة ويمكن أن توفر كميات كبيرة من الأعلاف في المناطق الجديدة والصحراوية.
ومن المزايا المهمة للدخن أنه يحقق أقصى استفادة من وحدة المياه، وهي قضية أصبحت تمثل أولوية وطنية في ظل محدودية الموارد المائية. فالمحصول يحتاج إلى كميات مياه أقل بكثير من العديد من المحاصيل الصيفية التقليدية، كما يتمتع بكفاءة مرتفعة في استخدام المياه، ما يجعله خياراً مناسباً للتوسع الزراعي في الأراضي الجديدة ومناطق الاستصلاح الزراعي.
كما أن زراعة الدخن تتيح للمزارع تنويع مصادر دخله من خلال الاستفادة من الحبوب للاستهلاك الآدمي، وبيع الأعلاف الخضراء أو الدريس أو السيلاج، وهو ما يقلل من المخاطر الاقتصادية ويزيد من العائد على وحدة الأرض والمياه. وتزداد أهمية هذه الميزة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه القطاع الزراعي وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتتمتع مصر بفرص واعدة للتوسع في زراعة الدخن، خاصة في مناطق الوادي الجديد وتوشكى وشمال وجنوب سيناء والساحل الشمالي الغربي والواحات، حيث تتوافر الظروف البيئية الملائمة لهذا المحصول. كما أن إدراجه ضمن الاستراتيجية القومية للأمن الغذائي يمكن أن يسهم في تحقيق الاستفادة القصوى من الأراضي الهامشية والرملية التي يصعب استغلالها بمحاصيل أخرى.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب زيادة الوعي بأهمية الدخن، وتطوير أصناف مصرية عالية الإنتاجية، وتعزيز برامج الإرشاد الزراعي، وتشجيع الصناعات الغذائية المرتبطة به، فضلاً عن دعم البحوث العلمية الخاصة باستخداماته الغذائية والعلفية.
إن الدخن ليس مجرد محصول بديل، بل يمثل أحد محاصيل المستقبل القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية وتحقيق الأمن الغذائي المستدام. ومن ثم فإن التوسع في زراعته يعد استثماراً استراتيجياً في مستقبل الغذاء بمصر، وخطوة مهمة نحو تقليل الفجوة الغذائية والعلفية، وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.