محطات المعالجة وتشديد الرقابة وترشيد الاستهلاك مفاتيح الخروج من دائرة الخطر
حذّر الدكتور يسري خفاجي، خبير الموارد المائية، من أن تلوث المياه في مصر لم يعد مجرد قضية بيئية قابلة للتأجيل، بل تحول إلى تحدٍ استراتيجي يمس الأمن المائي والصحة العامة ومستقبل الزراعة والتنمية المستدامة، في ظل ما وصفه بـ«الضغوط المتزايدة» على الموارد المائية المحدودة، في بلد يقف بالفعل على خط الفقر المائي.
وقال خبير الموارد المائية، في تصريحات لموقع «جسور 2030»، إن مصادر تلوث المياه في مصر متعددة، يأتي في مقدمتها الصرف الزراعي المحمّل بالأسمدة والمبيدات، والصرف الصناعي غير المعالج، إلى جانب الصرف الصحي، مشيرًا إلى أن هذه المصادر مجتمعة تسهم في تلويث المياه السطحية والجوفية، وتؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه الصالحة للاستخدام سنويًا.
وأوضح أن «التقارير الدولية تشير إلى أن دولًا تعاني من أنماط تلوث مشابهة، ومنها مصر، تفقد مليارات الأمتار المكعبة من المياه سنويًا، ومع الزيادة السكانية المطردة، يصبح العجز المائي أكثر حدة ما لم يتم التحرك بإجراءات صارمة لحماية الموارد المائية».
وأكد خفاجي أن انعكاسات تلوث المياه لا تقتصر على الجانب البيئي، بل تمتد إلى المجتمع والاقتصاد، قائلًا: «نحن أمام تراجع في كميات المياه العذبة النظيفة، وهو ما ينعكس مباشرة على الصحة العامة والزراعة، فضلًا عن تلوث بيئي واسع يؤثر على التنوع البيولوجي ويقوض قدرة النظم البيئية على الاستمرار».
وفيما يتعلق بجهود الدولة، أشار خفاجي إلى أن مصر تحركت عبر عدة مسارات متوازية، أبرزها التوسع في مشروعات المعالجة العملاقة، مثل محطات المحسمة وبحر البقر والدلتا الجديدة، والتي تعالج وتعيد استخدام نحو 4.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، مؤكدًا أن هذه المشروعات تمثل ركيزة أساسية في مواجهة العجز المائي.
وأضاف أن الدولة شددت الرقابة على نقاط الصرف في نهر النيل والمجاري المائية، وفعّلت القوانين المنظمة، وعلى رأسها قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021، إلى جانب جهود ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الري، والتوسع في نظم الري الحديث والذكي، ووضع ضوابط لإدارة استخدام الأسمدة والمبيدات.
وحول أثر الصرف الزراعي، أوضح خفاجي أن مركبات النيتروجين والفوسفور تؤدي إلى نمو مفرط للطحالب في المياه السطحية، ما يقلل الأكسجين الذائب ويهدد الحياة المائية، بينما تتسرب النترات إلى المياه الجوفية، وتجعلها غير صالحة للشرب، محذرًا من مخاطر صحية جسيمة، خاصة على الأطفال. كما أشار إلى أن بعض المبيدات تتراكم في السلسلة الغذائية، وتُحدث تأثيرات طويلة الأمد على صحة الإنسان.
وفيما يخص الصرف الصناعي، شدد خفاجي على أنه يمثل «أحد أخطر مصادر التلوث»، لاحتوائه على معادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة، موضحًا أن صناعات النسيج والصباغة، والبلاستيك، والأسمدة، والحديد والصلب، والدهانات، إضافة إلى النفط والغاز، من أكثر القطاعات تلويثًا للمياه، داعيًا إلى إنشاء محطات معالجة متقدمة، وتطبيق أنظمة الدوائر المغلقة داخل المصانع، وتفعيل مبدأ «الملوث يدفع».
وحذر خفاجي من المخاطر الصحية والبيئية المترتبة على التلوث، مشيرًا إلى انتشار أمراض معدية ناتجة عن تلوث المياه بالبكتيريا والفيروسات، إلى جانب حالات التسمم بالرصاص والزئبق، وزيادة مخاطر الأمراض المزمنة والسرطانية، فضلًا عن تدهور الأحياء المائية، وتراجع خصوبة التربة، وانخفاض الإنتاجية الزراعية.
وأشار إلى أن محافظات الدلتا، خاصة الواقعة في نهايات شبكة الترع والمصارف على فرعي دمياط ورشيد، تعد من أكثر المناطق تأثرًا، نتيجة تركز المصارف الزراعية والصناعية، وضعف كفاءة بعض محطات المعالجة، رغم الجهود المبذولة لتطوير الشبكات وإزالة التعديات.
وأكد خفاجي أن منظومة المعالجة الحالية، رغم ضخامتها، لا تزال غير كافية في مواجهة فجوة مائية تقدر بنحو 21 مليار متر مكعب سنويًا، داعيًا إلى تعزيز الرقابة، وتحسين كفاءة التشغيل، وتغليظ العقوبات على المخالفين.
واختتم خبير الموارد المائية تصريحاته بالتأكيد على أن الحل يكمن في تبني الزراعة المستدامة، والتوسع في محطات المعالجة المتقدمة، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والتحلية، وإنشاء مناطق عازلة، إلى جانب التوعية المجتمعية وتطبيق القوانين بصرامة، والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في الرقابة والإدارة، محذرًا من أن «غياب هذه الإجراءات سيبقي تلوث المياه تهديدًا مفتوحًا لمستقبل مصر المائي».