بقلم: سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ

لقد دأبت، بصفتي الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، على تقديم الحجج والبراهين حول ضرورة التحول نحو الطاقة النظيفة، لكن اليوم، تتكفل أزمة الوقود الأحفوري الأخيرة، بما في ذلك في الشرق الأوسط، بإنجاز هذه المهمة.
كشفت الحرب في الشرق الأوسط عن حقيقة جوهرية مفادها أن الاعتماد على الوقود الأحفوري يقوض سيادة الدول وأمنها، ويضع أسعار الغذاء، والإنفاق الأسري، وأداء الشركات، بل واستقرار الاقتصادات الوطنية، تحت رحمة الصدمات الجيوسياسية، وفي ظل نظام دولي يحكمه «قانون القوة»، ويزداد تقلبا شهرا بعد شهر، تتفاقم تكاليف هذا الخضوع للوقود الأحفوري صورة تخرج عن السيطرة.
وقد أدى الصراع الأخير إلى تفاقم ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه «أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي عبر التاريخ»، حيث تراجعت إمدادات النفط والغاز وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، الأمر الذي انعكس في ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأعباء المالية على مختلف القطاعات.
وترسل هذه الأزمة موجات من التداعيات في شتى أنحاء العالم؛ إذ تُشير توقعات برنامج الأغذية العالمي لارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي بنسبة 21% في غرب ووسط أفريقيا، و17% في شرق وجنوب أفريقيا، و24% في آسيا، و16% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، و14% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما يُرجح أن تصل مستويات الجوع عالميًا إلى معدلات قياسية خلال العام الجاري.
ورغم وضوح هذه المعطيات، يذهب بعض الآراء إلى أن إبطاء التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة وتعزيز الاعتماد على الوقود الأحفوري، هو الاستجابة السليمة للأزمة، وهو طرح يفتقر إلى الأساس الاقتصادي والمنطقي، ففي ظل الاضطرابات الجيوسياسية المتزايدة، تظل فرص تجدد فوضى أسعار الطاقة قائمة، لتمضي الدول، مع استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، من أزمة إلى أخرى.
كما أن هذا النهج يفاقم من أزمة تغير المناخ، إذ يؤدي إلى تسارع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وما يصاحبه من تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة كالعواصف الشديدة والجفاف والحرائق والفيضانات، والتي تلحق أضرارًا جسيمة بالمجتمعات والاقتصادات على حد سواء، ورغم ذلك، لا يزال الوقود الأحفوري يحظى بدعم مالي ضخم على المستوى العالمي.
وفي المقابل، يبرز حل واضح يتمثل في تسريع التحول إلى أنظمة طاقة نظيفة تعتمد على مصادر متجددة مدعومة ببنى تحتية حديثة وشبكات متطورة وأنظمة تخزين فعالة، إلى جانب تبني تقنيات نظيفة مثل المركبات الكهربائية.
مصادر الطاقة المتجددة، كالشمس والرياح، لا تخضع لمخاطر الممرات البحرية الضيقة، وتمكّن الدول من تعزيز استقلالها الاقتصادي والأمني، وتقليل تعرضها للاضطرابات العالمية، فضلًا عن إسهامها في خلق فرص العمل، وخفض الانبعاثات، وتحسين الصحة العامة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتقليل التكاليف، كما تُعد الطاقة المتجددة الخيار الأقل تكلفة حاليًا.
وقد بدأت عدة دول بالفعل في الاستفادة من هذه التحولات، بينما لا تزال دول أخرى بحاجة إلى دعم أكبر، ورغم تدفق أكثر من تريليوني دولار إلى قطاع الطاقة النظيفة خلال العام الماضي، وهو ما يعادل ضعف الاستثمارات في الوقود الأحفوري، فإن حصة محدودة فقط وصلت إلى الدول النامية الأكثر احتياجًا.
ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة توجيه التمويل الدولي، حيث تتحمل الدول المتقدمة والمؤسسات المالية الدولية مسؤولية تسهيل وصول التمويل المُيسر إلى الدول النامية، بما يعزز جهود العمل المناخي ويحقق مصلحة مشتركة على المستوى العالمي.
وفي ظل ما نشهده من اقتصاد عالمي متشابك، فإن الكوارث المناخية تتسبب في تعطيل سلاسل الإمداد، مما يشكل عاملًا رئيسيًا في تفاقم التضخم عالميًا، غير أن التعاون الدولي في مجال المناخ يوفر بديلًا فعّالًا للنهج القائم على التنافس والصراع.
وهذا ما تضطلع به اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إذ تواصل دعم هذا التعاون، حيث أسهمت مؤتمرات الأطراف (COP) في تحقيق تقدم كبير، إذ خفضت التوقعات المتعلقة بارتفاع درجات الحرارة العالمية بواقع النصف، بالإضافة إلى تحفيزها للتحول في أسواق الطاقة، وتعزيز القدرة على التكيف. ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة لتسريع وتيرة الجهود وضمان انتقال عادل يشمل المجتمعات المعتمدة تاريخيًا على الوقود الأحفوري.
وكلما سارعت الدول في تنفيذ التحول، زادت الفوائد المتحققة، خاصة في ظل ضيق الوقت المتاح لمواجهة أزمة المناخ، وقد شهد مؤتمر (COP-30) في البرازيل التزامًا بتخصيص تريليون دولار للاستثمار في الشبكات وأنظمة التخزين، بما يدعم تطوير أنظمة طاقة نظيفة وحديثة، فيما يُتوقع أن يواصل مؤتمر (COP-31) في تركيا تعزيز هذا التقدم عبر مختلف القطاعات.
إن التحديات الراهنة تؤكد الحاجة الملحة إلى تكثيف العمل المناخي. فالتعاون الدولي في هذا المجال يمثل أداة فعالة لمواجهة حالة عدم الاستقرار العالمي، كما أن الاستثمار في الطاقة النظيفة وتعزيز القدرة على التكيف المناخي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها الظروف الحالية.