في إطار سعيه المتواصل لتعزيز دور المجتمع المدني، ودعم مسارات التنمية المستدامة، عقد «المنتدى الوطني لنهر النيل» ورشة عمل متخصصة، بعنوان «تطوير أفكار المشروعات وخطط الأعمال»، بمشاركة ممثلات لمنظمات المجتمع المدني من عدد من محافظات الجمهورية، خاصة المحافظات الأكثر احتياجًا، وبحضور نخبة من الخبراء والأكاديميين المتخصصين في الاقتصاد والتنمية.

افتُتحت فعاليات الورشة بكلمة للدكتور عماد الدين عدلي، رئيس مجلس إدارة «المنتدى الوطني لنهر النيل»، استعرض خلالها مسيرة المنتدى وإنجازاته المتراكمة، وتطور أدائه المؤسسي، والدور المتنامي الذي يقوم به في دعم أهداف التنمية في القارة الأفريقية بصفة عامة، ودول حوض النيل بصفة خاصة، وأكد أن بناء قدرات المجتمع المدني، ولاسيما المنظمات التي تقودها النساء، يمثل أحد الركائز الأساسية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة قادرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

من جانبها، شددت الأستاذة غادة أحمدين، رئيس الشبكة الإقليمية للمرأة بدول حوض النيل، على أن التمكين الاقتصادي للمرأة في دول النيل لم يعد خيارًا تنمويًا، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق النمو والتقدم والاستقرار، وأوضحت أن الاستثمار في بناء قدرات النساء في المحافظات المختلفة، ينعكس مباشرة على تحسين مستويات المعيشة، وتعزيز المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الجلسة الأولى من ورشة العمل، قدمت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، وعضو مجلس أمناء المنتدى المصري للتنمية المستدامة، ورقة تحليلية موسعة، ركزت في محورها الأول على توصيف الوضع الاقتصادي المصري الراهن، مشيرة إلى ما حققه الاقتصاد من قدر ملموس من الاستقرار، وما يقدمه ذلك من فرص واعدة للنمو والاستثمار على مستوى المحافظات.

وأوضحت أن الهدف من هذا الجزء تمثل في تحديد القطاعات التي تمتلك فيها مصر ميزات نسبية وفرصًا استثمارية حقيقية، وفي مقدمتها قطاع السياحة، بما يرتبط به من أنشطة مولدة لفرص العمل، مثل الحرف اليدوية، والخدمات الفندقية، والإرشاد السياحي، والصناعات الغذائية، كما تناولت الفرص المتاحة في سلاسل الإمداد بالقطاع الصناعي، خاصة الصناعات المغذية، التي تسهم في إحلال الواردات، وزيادة المكون المحلي، بما يفتح آفاقًا واسعة أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتطرقت أستاذ الاقتصاد كذلك إلى الفرص الواعدة في القطاع الزراعي، والصناعات الغذائية، وصناعة الأدوية، واستثمار الثروة التعدينية، فضلًا عن الصناعات المرتبطة بالحفاظ على مياه نهر النيل، وترشيد نظم الري، والطاقات الجديدة والمتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، باعتبارها مجالات استثمارية ذات بعد اقتصادي وبيئي، كما تطرقت إلى الإمكانيات الهائلة التي يوفرها قطاع تكنولوجيا المعلومات من فرص غير تقليدية للمرأة المصرية، خاصة في محافظات الصعيد.

في المحور الثاني، ركزت الورقة التحليلية على آليات اختيار المشروعات، وزيادة فرص نجاحها، في إطار الهدف الرئيسي المتمثل في الخروج بمشروعات قابلة للتنفيذ وذات جدوى اقتصادية، وتم طرح مسار متكامل يبدأ باختيار فكرة المشروع، اعتمادًا على الفرص الحقيقية المتاحة بالمحافظات، ثم تحديد الجهات والمؤسسات الداعمة، سواء من خلال خدمات مالية أو غير مالية، واستعراض التحديات المتوقعة، وسبل التغلب عليها استنادًا إلى الخبرات السابقة.

انتقلت الورشة بعد ذلك إلى التطبيق العملي، حيث جرى تقسيم المشاركات إلى ثلاث مجموعات عمل، وفقًا للإطار الجغرافي، تضمنت مجموعة محافظات الصعيد، ومجموعة القاهرة الكبرى والقناة، ومجموعة محافظات البحيرة وكفر الشيخ، وطُلب من كل مجموعة الخروج بفكرة مشروع واضحة، مع تحديد أسباب اختيارها، ومقومات نجاحها، والأدوار المتوقعة للجهات الداعمة.

وأسفرت المناقشات عن طرح مشروعات متنوعة تعكس خصوصية كل إقليم واحتياجاته، حيث قدمت مجموعة الصعيد مشروعًا لإعادة تدوير المخلفات الزراعية وورد النيل، لإنتاج صناعات حرفية مثل السجاد والكليم، إضافة إلى إنتاج الفحم الحيوي، أما مجموعة البحيرة، فقد عرضت مشروع إنتاج الخرشوف وتجهيزه للتصدير، بالاستناد إلى خبرات برنامج المنح الصغيرة، بينما قدمت مجموعة القاهرة الكبرى والإسماعيلية والسويس مشروعًا لإعادة تدوير البلاستيك، يستهدف خريجات التعليم الفني، بوصفهن من الفئات الأكثر تأثرًا بالبطالة.

وفي الجلسة الثانية، استكمل الدكتور رفيق رمزي، خبير بناء القدرات المؤسسية، المسار التدريبي، حيث انتقل بالمشاركين من مرحلة الأفكار العامة إلى إعداد مقترحات مشروعات واضحة وقابلة للتمويل، وتناولت الجلسة التعريف بمكونات مقترح المشروع، وتحليل المشكلات، وصياغة النتائج، وتصميم الأنشطة، ونظم المتابعة والتقييم، وإدارة المخاطر، وإعداد الموازنات وخطط الاستدامة، باستخدام منهجية تدريبية تفاعلية، جمعت بين العروض النظرية، والتطبيقات العملية.

خلصت الورشة إلى مجموعة من النتائج، أبرزها الحاجة الملحة لتفعيل دور الجهات المساندة للمشروعات الصغيرة، ومواجهة البيروقراطية والفساد، وضرورة وجود استراتيجية واضحة للدولة لدعم التمكين الاقتصادي للمرأة، خاصة الفئات الأكثر فقرًا، كما أوصى المشاركون بتنظيم دورات متقدمة، وتقديم دعم فني لاحق، وإنشاء آليات متابعة لضمان تحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة ومستدامة.