عبدالعزيز حجاج *
بين ممارساتنا اليومية البسيطة وطموحاتنا القومية الكبرى، تكمن حقيقة واضحة لا تقبل الجدل، وهي أن أمننا الطاقي والبيئي لم يعد مجرد ملف تبحثه المؤتمرات الدولية، بل هو أساس وجودنا وصمام الأمان لأولادنا ومجتمعاتنا المحلية، وفي وقت يعاد فيه تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي ليتخذ من الاستدامة ركيزة أساسية، يضعنا الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، الرامي إلى توفير طاقة نظيفة وبأسعار معقولة للجميع، أمام مسؤولية وطنية وإنسانية حتمية، تفرض علينا مراجعة علاقتنا بالموارد الهبة، التي حباها الله لأرض مصر العريقة.
إن التحول نحو الاقتصاد الأخضر ليس رفاهية نملك إرجاءها، بل هو بوابة الاستثمار الأمثل والمسار الحقيقي لبناء مجتمعات المستقبل، وعندما ننظر إلى المقومات المناخية والجغرافية الاستثنائية التي نمتلكها، ندرك أننا نقف فوق منجم حقيقي من البدائل الطبيعية الدائمة، التي تؤهل بلادنا لقيادة ثورة الطاقة المتجددة إقليمياً ودولياً، بالتوازي مع جهود واعية وحثيثة لترشيد الاستهلاك، وحسن إدارة الموارد.
تتحرك الدولة المصرية بخطى ثابتة نحو صياغة فلسفة استراتيجية متكاملة، تعتمد على المزيج المتوازن من مصادر الطاقة البديلة، محققة بذلك أعلى درجات الأمان الطاقي، واستمرارية التدفق على مدار الساعة دون انقطاع.
أولى هذه الركائز هي الذهب الأصفر المتدفق من السماء، حيث تتمتع البلاد بمعدلات سطوع شمسي غير محدودة، تفوق 13 ساعة يومياً، وبمستويات إشعاع تعد من بين الأعلى عالمياً، هذا الثراء الشمسي يفتح آفاقاً رحبة للاستثمار والتنمية، بدءاً من المحطات العملاقة التي ترفد الشبكة القومية بالكهرباء، وصولاً إلى الحلول المحلية الصغيرة والمتوسطة، التي تبدأ من أسطح المنازل والمؤسسات، وتشغيل طلمبات الري في الحقول الزراعية، بالاعتماد الكامل على نور الشمس، مما يرفع عن كاهل المزارع والموازنة العامة أعباء الوقود التقليدي.
ولا يقل هواء مصر سخاءً عن شمسها، إذ تمتلك الدولة ممرات هوائية فريدة، تصنف ضمن الأفضل في العالم لتوليد الكهرباء، لاسيما على امتداد الشواطئ الساحلية وخليج السويس، حيث تضمن سرعات الرياح القوية والثابتة تشغيل توربينات عملاقة، تنتج طاقة ضخمة طوال العام، وتسهم في تحويل المناطق الصحراوية المتاخمة للبحار إلى مراكز تنموية نابضة بالعمل، وتوفر آلاف فرص العمل الواعدة للشباب، فضلاً عن جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، لتوطين هذه الصناعات الحيوية.
ويتكامل هذا المزيج الفريد مع عراقة الإنتاج المائي المتمثل في طاقة انحدار المياه، حيث يشهد السد العالي والعديد من القناطر المنتشرة على طول مجرى نهر النيل، وشبكات الري القومية، على قدرة الإدارة الرشيدة للموارد المائية، إن استغلال مساقط وانحدارات المياه يمنح المنظومة طاقة مستقرة وموثوقة، تمثل صمام الأمان، والضمانة الأساسية لتوازن الشبكة الكهربائية وتحقيق التناغم التام بين مختلف المصادر المتجددة.
إن نجاح هذه المنظومة الخضراء يتوقف على تلاحم مشروعات التوليد الكبرى مع المبادرات الوطنية الرائدة لترشيد الاستهلاك، فالترشيد يمثل حلقة الإنتاج المتممة، التي ترفع الأحمال الضخمة عن الشبكة القومية، مما يتيح توجيه وفر الطاقة النظيفة المتولدة نحو القطاعات الإنتاجية والصناعية والمزارع بكفاءة قصوى.
وتنعكس آثار هذا التحول إيجابياً على كافة مناحي الحياة، عبر عوائد ممتدة الأثر، في مقدمتها دعم الاقتصاد القومي، إذ يوفر الاعتماد على البدائل المجانية والدائمة، كالشمس والهواء والماء، كميات هائلة من الوقود الأحفوري التقليدي، مما يمكن الدولة من توجيهه نحو التصدير لإنعاش الخزانة العامة، أو استخدامه كمادة خام في صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة مرتفعة.
كما تأتي الصحة العامة والبيئة الخالية من التلوث ضمن هذه العوائد، حيث يسهم خفض الانبعاثات الكربونية الضارة في تحسين جودة الهواء في المدن والقرى على حد سواء، الأمر الذي يؤدي مباشرة إلى تراجع معدلات الأمراض الصدرية والتنفسية، وبالتالي خفض الفاتورة العلاجية الكبيرة، التي يتحملها المواطن والدولة، والارتقاء بجودة الحياة العامة.
ومن بين العوائد ممتدة الأثر، يأتي صون الثروة الزراعية والأمن الغذائي، إذ يقلل هذا التوجه من وطأة التغيرات المناخية الحادة، التي باتت تهدد إنتاجية التربة ومصادر المياه العذبة، مما يحمي الرقعة الخضراء ويؤمن الغذاء للأجيال القادمة، إضافة إلى توطين المعرفة والصناعة المستدامة، حيث يتسع نطاق الاستثمار ليشمل تصنيع مكونات الألواح الشمسية، وتجميع أجزاء توربينات الرياح محلياً، بالاستفادة من الموقع الجغرافي العبقري للبلاد، مما يحولنا من مستهلكين للتكنولوجيا إلى منتجين ومصدرين لها.
إن التحول الحقيقي نحو الاقتصاد الأخضر لا يكتمل إلا عندما يصبح وعي المواطن وشعوره بالمسؤولية التضامنية هو المحرك الأساسي بجانب جهود الدولة، ويبدأ هذا التغيير من الممارسات اليومية البسيطة داخل بيوتنا ومؤسساتنا، من خلال تبني تكنولوجيا الإنارة الموفرة، وتنظيم أوقات استخدام الأجهزة الكهربائية الكثيفة، والتوسع في تركيب سخانات المياه الشمسية.
وعندما يتحول كل فرد في المجتمع من مستهلك سلبي للطاقة إلى شريك فاعل في ترشيدها وصونها، تترسخ الركائز الحقيقية للتنمية المستدامة، إن العمل الأهلي والمجتمعي، بالتكامل مع رؤية الدولة، يمتلك القدرة على تحويل التحديات البيئية والاقتصادية الراهنة إلى فرص استثمارية حقيقية وواعدة، تضع وطننا الغالي في مصاف القوى الاقتصادية الحديثة القائمة على الابتكار، والمعرفة، والاستغلال الرشيد لهبات الطبيعة، لنثبت للعالم أجمع أن أرض مصر كانت وستظل منبعاً للحضارة ومنطلقاً للمستقبل المستدام.*
* عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للنهوض بالمرأة والطفل بالمنوفية