نظّمت الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد» ملتقى حواريًا متعدد الأطراف حول «السيادة الطاقية الخضراء» وآفاق التحول نحو الطاقة النظيفة في منطقة المتوسط ، بالشراكة مع النادي المغربي للبيئة والتنمية، عضو الشبكة في المملكة المغربية، والائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، وذلك يوم 15 مايو 2026 بمقر المدرسة الوطنية العليا للمعادن في العاصمة المغربية الرباط.
شهد الملتقى مشاركة واسعة من مسؤولين تنفيذيين وخبراء وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني والقطاع الخاص، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الإقليمي بتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، وتعزيز أمن الطاقة في المنطقة، وتضمن نقاشًا موسعًا حول مستقبل التحول الطاقي في المغرب ودول حوض المتوسط في إطار مبادرة «تيراميد»، مع التركيز على سبل تعزيز التكامل الإقليمي في مجالات الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، في ظل التحديات المناخية والجيوسياسية المتسارعة التي تواجه المنطقة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور محمد فتوحي، رئيس النادي المغربي، أن انعقاد هذا اللقاء يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل التحولات العالمية المرتبطة بأمن الطاقة، وتزايد الطلب على مصادر الطاقة النظيفة، إلى جانب تسارع آثار تغير المناخ، وأوضح أن التحول الطاقي لم يعد مجرد خيار بيئي، بل بات مسارًا استراتيجيًا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والبيئي.
وأشار «فتوحي» إلى أن المغرب راكم، خلال السنوات الأخيرة، خبرات مهمة في مجالات الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية، بما يعزز موقعه كفاعل إقليمي قادر على الإسهام في بناء اقتصاد أخضر، قائم على الصناعات منخفضة الانبعاثات، في ظل التوجه العالمي المتزايد لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ومن أبرز المحاور التي تناولها الملتقى، العرض الذي قدمه الدكتور جواد الخراز، منسق مبادرة «تيراميد»، والشبكة المتوسطية للطاقة النظيفة، حول الأبعاد الاستراتيجية للمبادرة، بوصفها مشروعًا إقليميًا يستهدف إعادة تموضع الفضاء المتوسطي كمركز عالمي للطاقة النظيفة والتصنيع الأخضر.
وأوضح «الخراز» أن منطقة البحر المتوسط أصبحت اليوم في قلب التحولات الجيوسياسية العالمية، بينما تواجه في الوقت ذاته تحديات متزايدة تشمل الهشاشة المناخية، وندرة المياه، والاعتماد على الوقود الأحفوري، ومخاطر الأمن الغذائي، لافتًا إلى أن المبادرة تسعى إلى تحويل هذه التحديات إلى فرص تنموية واستثمارية من خلال تعبئة التمويل، وتطوير مشروعات الطاقة المتجددة، وتعزيز التكامل الطاقي بين ضفتي المتوسط.
وأضاف أن مبادرة «تيراميد» تستهدف الوصول إلى قدرة إنتاجية تبلغ تيراواطًا واحدًا من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مع تعبئة استثمارات تُقدّر بنحو 700 مليار دولار، بما يمكن أن يسهم في توفير ما يقرب من ثلاثة ملايين فرصة عمل جديدة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والصناعات الخضراء المرتبطة بها.
كما أشار إلى أن الضفة الجنوبية للمتوسط تمتلك إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تُقدَّر بنحو 3.5 تيراواط، وهو ما يمنح المنطقة فرصة استراتيجية لتصبح مركزًا إقليميًا لإنتاج الطاقة النظيفة وربط أسواق أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، إلى جانب دعم جهود إزالة الكربون من قطاعات الصناعة والنقل والاستهلاك المنزلي.
وأكد المشاركون أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب توسيع الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة، وتعزيز الربط الكهربائي العابر للحدود، وتطوير سياسات داعمة للتكامل الطاقي الإقليمي، إلى جانب توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وشددت المناقشات كذلك على أهمية دعم الصناعات الخضراء المرتبطة بإنتاج الهيدروجين الأخضر والوقود منخفض الانبعاثات، وتعزيز ما وصفه المتحدثون بـ«الدبلوماسية الطاقية» بين دول المتوسط، بما يضمن انتقالًا عادلًا ومنصفًا للطاقة يراعي الأبعاد الاجتماعية والتنموية، ويعزز بناء القدرات المؤسسية والبشرية اللازمة لقيادة هذا التحول.
جاء تنظيم هذا الملتقى في وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية والدولية لتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون في منطقة المتوسط، ليس فقط استجابةً للالتزامات المناخية العالمية، وإنما باعتباره أيضًا فرصة استراتيجية لدعم التنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الاقتصادي والبيئي في واحدة من أكثر مناطق العالم تأثرًا بتداعيات التغير المناخي والاضطرابات الجيوسياسية.