في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي عالمياً نتيجة التغيرات المناخية، وارتفاع أسعار الغذاء، وتنامي الضغوط على الموارد الطبيعية، تبرز التكنولوجيا الزراعية الحديثة والبحث العلمي التطبيقي باعتبارهما أحد أهم الحلول القادرة على تضييق الفجوة الغذائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، وفي مصر، يمثل القمح أحد أبرز المحاصيل التي تحظى باهتمام الدولة، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي لملايين المواطنين، وهو ما يجعل أي زيادة في إنتاجيته، أو تحسين في خصائصه الزراعية، مكسباً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية.
وفي هذا الإطار، يعكس التعاون القائم بين محافظة الوادي الجديد وهيئة الطاقة الذرية نموذجاً عملياً لكيفية توظيف العلوم النووية السلمية والتكنولوجيا المتقدمة في خدمة القطاع الزراعي، بما يسهم في رفع الإنتاجية، وتحسين جودة المحاصيل، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وقد شهد هذا التعاون دفعة جديدة هذا الأسبوع، في ضوء الزيارة الميدانية، التي قامت بها حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، إلى مقر هيئة الطاقة الذرية بالقاهرة، حيث جرى استعراض نتائج التعاون المشترك بين الجانبين في مجال استنباط وإكثار أصناف جديدة من القمح عالية الإنتاجية.
ويعد هذا التعاون أحد النماذج الناجحة التي تؤكد قدرة المؤسسات البحثية المصرية على تقديم حلول عملية للتحديات التنموية، إذ نجح علماء هيئة الطاقة الذرية في تطوير أصناف قمح جديدة تم تسجيلها رسمياً بوزارة الزراعة، بعد سنوات من التجارب والاختبارات المعملية والحقلية، وتأتي هذه الجهود في وقت تسعى فيه الدولة المصرية إلى تعزيز الإنتاج المحلي من القمح وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، خاصة في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة التي أثرت خلال السنوات الأخيرة على أسواق الحبوب العالمية.
ومن أبرز ثمار التعاون بين الجانبين، نجاح زراعة وإكثار صنفي القمح الجديدين «طاقة 152» و«طاقة 4» في المزارع النموذجية بمركز الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، وأظهرت النتائج الميدانية تحقيق معدلات إنتاجية تفوق الأصناف التقليدية المزروعة بالمحافظة بنسبة تصل إلى 30%، وهي نسبة تمثل طفرة حقيقية في إنتاجية المحصول، خاصة إذا ما تم تعميم التجربة على نطاق واسع في المناطق الزراعية المختلفة.
ولا تقتصر أهمية هذه الأصناف على زيادة الإنتاج فقط، بل تمتد أيضاً إلى تقليص الفترة الزمنية اللازمة لنمو المحصول، حيث تنضج هذه الأصناف قبل نحو 21 يوماً من بعض الأصناف الشائعة، وهو ما يمنح المزارعين مرونة أكبر في إدارة الدورة الزراعية، ويخفض المخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية ونقص المياه.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور نادر عبدالحليم، نائب رئيس هيئة الطاقة الذرية للمشروعات البحثية، أن الهيئة تمتلك خبرات متراكمة في توظيف التكنولوجيا النووية السلمية، وتقنيات الطفرات المستحثة بالإشعاع، لخدمة قطاعات الزراعة والأمن الغذائي، وأوضح أن برامج الهيئة البحثية لا تقتصر على القمح فقط، بل تشمل أيضاً محاصيل استراتيجية أخرى، مثل الأرز والحمص والسمسم والكتان واللوبيا، في إطار رؤية تستهدف استنباط أصناف أكثر إنتاجية، وقدرة على التكيف مع الظروف البيئية المختلفة.
وأشار «عبدالحليم» إلى أن استحداث الأصناف الجديدة يتم وفق منظومة علمية دقيقة، تبدأ بتعريض البذور لجرعات إشعاعية محسوبة وآمنة، بهدف إحداث طفرات وراثية مفيدة، ثم تمر النباتات الناتجة بمراحل طويلة من التقييم والاختبارات المعملية والحقلية، لضمان استقرار الصفات الوراثية، وسلامة المنتج، قبل تسجيله واعتماده رسمياً، وتؤكد هذه المراحل، بحسب خبراء، أن استخدام الإشعاع في استنباط الأصناف النباتية يختلف تماماً عن المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالتلوث الإشعاعي، حيث تخضع جميع العمليات لمعايير دولية صارمة، تضمن سلامة المنتج النهائي، وصلاحيته الكاملة للاستهلاك.
ويرى خبراء الزراعة أن زيادة إنتاجية القمح بنسبة 30% تمثل مكسباً اقتصادياً كبيراً للدولة، إذ تساهم في رفع حجم الإنتاج المحلي من دون الحاجة إلى التوسع الأفقي المكلف في الأراضي الزراعية، كما أن الأصناف مبكرة النضج تساعد في ترشيد استهلاك المياه، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وهو ما يتماشى مع توجهات الدولة نحو تحقيق الاستدامة الزراعية، في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغير المناخي، وتكتسب هذه النتائج أهمية مضاعفة إذا ما تم ربطها بخطط التوسع الزراعي في مناطق الاستصلاح الجديدة، وعلى رأسها محافظة الوادي الجديد، التي تمتلك مساحات واسعة قابلة للتنمية الزراعية، وتمثل إحدى الركائز الرئيسية لمشروعات التوسع الأفقي في مصر.
من جانبها، أكدت محافظ الوادي الجديد أن التعاون مع هيئة الطاقة الذرية يجسد نموذجاً ناجحاً لتحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى تطبيقات عملية، تحقق عائداً مباشراً للمواطن والاقتصاد الوطني، وأشارت إلى أن النتائج التي تحققت في المزارع النموذجية بالمحافظة تعكس الإمكانات الكبيرة للأصناف الجديدة، معربة عن دعم المحافظة الكامل للتوسع في زراعة القمح عالي الإنتاجية بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية والقطاع الخاص والشركات المتخصصة في الإنتاج الزراعي، وأضافت أن دعم الأبحاث التطبيقية يمثل أحد المحاور الأساسية لمواجهة القضايا الاستراتيجية، وفي مقدمتها الأمن الغذائي، خاصة في ظل الحاجة إلى زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين كفاءة استغلال الموارد المتاحة.
ولم يقتصر التعاون بين الجانبين على محصول القمح فقط، بل يمتد ليشمل قطاع التمور، الذي تتمتع فيه محافظة الوادي الجديد بمكانة رائدة على مستوى الجمهورية، وفي هذا السياق، جرى بحث إمكانية الاستفادة من التقنيات الإشعاعية الآمنة، التي طورتها هيئة الطاقة الذرية في معالجة التمور بعد الحصاد، بهدف القضاء على الإصابات الحشرية والميكروبية التي قد تؤثر على جودة المنتج خلال التخزين أو التصدير، ومن شأن هذه التقنيات أن تسهم في رفع القيمة المضافة للتمور المصرية، وتحسين قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، بما يدعم خطط الدولة لزيادة الصادرات الزراعية، وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية بالخارج.
تكشف تجربة التعاون بين هيئة الطاقة الذرية ومحافظة الوادي الجديد، عن حقيقة مهمة مفادها أن سد الفجوة الغذائية لم يعد يعتمد فقط على التوسع في الرقعة الزراعية، بل أصبح مرتبطاً بدرجة أكبر بالاستثمار في المعرفة والابتكار والتكنولوجيا الحديثة، ففي عالم يشهد تزايداً مستمراً في الطلب على الغذاء، تبدو الحلول العلمية القائمة على تحسين الإنتاجية واستنباط أصناف أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع التحديات المناخية والبيئية أحد أهم مفاتيح تحقيق الأمن الغذائي المستدام.