شراكات مؤسسية وتمويل مستدام للجمعيات المحلية.. ورؤية متكاملة لربط الإنذار المبكر بالاستجابة الفعلية
اختُتمت في تونس أعمال المنتدى العربي الإقليمي الثاني لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، بمشاركة فاعلة من الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، ممثلة في الدكتور عماد الدين عدلي، المنسق العام للشبكة، والدكتورة نجوى بوراوي، المنسق الوطني لـ«رائد» في تونس ورئيس جمعية حماية البيئة والتنمية المستدامة في بنزرت.
استمرت فعاليات المنتدى على مدار ثلاثة أيام، تحت شعار «الإنذار المبكر للجميع»، بالتزامن مع اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث، ونظّمه اتحاد إذاعات الدول العربية، بمشاركة ممثلي الدول العربية والمنظمات والشركاء الإقليميين والدوليين، إلى جانب نخبة من الخبراء والمتخصصين.
ودعا البيان الختامي إلى إعطاء الأولوية لتطوير نظم الإنذار المبكر، وسد الفجوات القائمة، خصوصًا في المناطق الأكثر هشاشة، من خلال تعزيز المعرفة بمخاطر الكوارث، وتطوير قدرات الرصد والتحليل والتنبؤ، وتحسين آليات إصدار التحذيرات ونشرها، ورفع جاهزية المجتمعات للاستجابة.
وشدد المشاركون على أهمية دمج الحد من مخاطر الكوارث في المناهج التعليمية، والتحول من الاستجابة المتأخرة إلى النهج الاستباقي، وتخصيص ميزانيات وطنية للطوارئ، وبناء قدرات المجتمعات المحلية، وتحديث الأطر التشريعية والتنظيمية. كما أكدوا ضرورة التعامل مع نظم الإنذار المبكر المتعددة الأخطار باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا، وضمان ترجمة التحذيرات إلى إجراءات عملية وفعالة، وتعزيز دور وسائل الإعلام في التوعية بالمخاطر.
وفي هذا السياق، عرضت الدكتورة نجوى بوراوي رؤية «رائد» لتعزيز دور المجتمع المدني العربي في مجابهة الكوارث، والمشاركة في الاستجابة لها والتعافي من آثارها، مؤكدة أن مواجهة المخاطر المتزايدة تتطلب تجاوز الاكتفاء بتدريب عدد محدود من الجمعيات أو تنفيذ مشروعات تجريبية متفرقة، والانتقال إلى بناء منظومة عربية مترابطة للشراكة بين الحكومات والمجتمع المدني، تجعل المبادرات المحلية جزءًا أصيلًا من أنظمة الإنذار المبكر الوطنية.
وتتسق هذه الرؤية مع التوجهات التي ناقشها المنتدى ومبادرة الأمم المتحدة «الإنذار المبكر للجميع»، من خلال تعزيز التكامل بين المؤسسات الرسمية والجمعيات الأهلية والشبكات المحلية، بما يضمن وصول التحذيرات إلى السكان في الوقت المناسب، وتحويلها إلى إجراءات تحمي الأرواح والممتلكات وتحد من الخسائر.
وطرحت «رائد» مجموعة من المسارات العملية لتطوير مساهمة المجتمع المدني في إدارة مخاطر الكوارث، في مقدمتها إضفاء الطابع المؤسسي على الشراكة، عبر إبرام بروتوكولات تعاون بين الجهات الوطنية المعنية بإدارة الكوارث والأرصاد الجوية والسلطات المحلية وشبكات المجتمع المدني، بما يحدد مسؤوليات كل طرف، وآليات تبادل المعلومات، وقنوات الاتصال، وإجراءات التصعيد عند الطوارئ.
كما دعت إلى تطوير منصة إقليمية تجمع شبكات المجتمع المدني العربية، وتربطها بجامعة الدول العربية والجهات المختصة والأمم المتحدة والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، بهدف تبادل الخبرات والأدلة العملية والمواد التدريبية والنماذج الناجحة والدروس المستفادة من الكوارث، ولا سيما تلك التي تتجاوز آثارها الحدود الوطنية.
وأكدت الرؤية أهمية بناء قدرات الجمعيات والمتطوعين المحليين من خلال برامج تدريب مستمرة تشمل قراءة التحذيرات، والتواصل بشأن المخاطر، والإسعافات الأولية، والإخلاء الآمن، وتقييم الاحتياجات والاستعداد المبكر، مع إعطاء الأولوية للتدريب العملي والمحاكاة، بدلًا من الاقتصار على التوعية النظرية.
وشددت كذلك على ضرورة توفير تمويل مباشر ومستدام للعمل المحلي، عبر منح مرنة للجمعيات والشبكات، تغطي التدريب والاتصالات والمعدات الأساسية واحتياجات المتطوعين وخطط الاستجابة. وينبغي، وفق الرؤية، ألا يقتصر التمويل على الإغاثة بعد وقوع الكوارث، بل أن يمتد إلى الوقاية والاستعداد والتدخل الاستباقي.
وفي مجال التكنولوجيا، دعت «رائد» إلى توظيف الرسائل النصية والإذاعات المحلية والتطبيقات والمنصات الرقمية والخرائط المجتمعية لتوسيع نطاق الإنذار المبكر، مع توفير بدائل تضمن وصول المعلومات إلى الأشخاص الذين لا يملكون هواتف ذكية أو اتصالًا موثوقًا بالإنترنت. كما يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات، شريطة التحقق من دقتها وحماية بيانات السكان.
واختتمت الشبكة مقترحاتها بالتأكيد على أهمية قياس النتائج وتبادل الممارسات القابلة للتوسع، من خلال مؤشرات مشتركة ترصد نسبة السكان الذين تصل إليهم التحذيرات في الوقت المناسب، ومدى فهمهم للإجراءات المطلوبة، وسرعة الاستجابة المحلية، ومستوى مشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، ومدى الاستفادة من الدروس المستخلصة بعد كل حادث.
وتؤكد هذه المسارات أن تعزيز دور المجتمع المدني لا يقتصر على المشاركة في جهود الإغاثة، بل يشمل الوقاية والاستعداد والتواصل بشأن المخاطر ودعم التعافي. ومن شأن دمج الجمعيات المحلية في منظومات الإنذار المبكر أن يعزز قدرة المجتمعات العربية على الاستعداد للكوارث والاستجابة لها، ويحد من الخسائر البشرية والمادية، ويدعم بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.