«خفاجي»: زيادة الوعي ونقل التجارب المصرية للخارج على رأس أولويات «المنتدى المصري للتنمية المستدامة»

لم تعد تحلية مياه البحر مجرد حل تقني لسد فجوات الموارد المائية، بل تتجه إلى أن تصبح مكوناً رئيسياً في منظومة الأمن المائي والطاقي، في ظل تصاعد الضغوط على مصادر المياه، وارتفاع تكلفة الطاقة، وتفاقم تداعيات تغير المناخ. وبينما ارتبطت محطات التحلية تقليدياً بارتفاع استهلاك الطاقة وإنتاج كميات كبيرة من الرجيع الملحي، تفتح التطورات في علوم الأغشية والمضخات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي الباب أمام نموذج جديد تتحول فيه المحطة من مستهلك للطاقة ومصدر للمخلفات إلى منظومة متكاملة لإنتاج المياه والطاقة والمعادن، بأقل تكلفة وأدنى أثر بيئي.
في هذا الإطار، جاءت جلسة «مستقبل التحلية الذكية»، ضمن أعمال المؤتمر العربي الأفريقي الثاني للاستثمار في المياه والطاقة، بمركز القاهرة الدولي للمؤتمرات، والتي أدارها الدكتور يسري خفاجي، أمين عام المنتدى المصري للتنمية المستدامة، وخبير إدارة الموارد المائية، بمشاركة خبراء في علوم الأغشية والطاقة والضخ والتمويل وإدارة الأصول، لتطرح سؤالاً يتجاوز حدود التكنولوجيا التقليدية: «كيف يمكن إعادة تعريف العلاقة بين المياه والطاقة، وتحويل التحلية إلى صناعة أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على تحقيق عائد اقتصادي طويل الأجل؟».
انطلقت المناقشات من حقيقة أن المياه والطاقة أصبحتا معادلة واحدة، وأن خفض استهلاك الطاقة في محطات التحلية، لم يعد مجرد هدف لتقليل النفقات التشغيلية، وإنما شرط أساسي لتحقيق الاستدامة الاقتصادية والبيئية. ومن هذا المنطلق، ركز الحوار على الجيل الجديد من المضخات عالية الكفاءة، وأجهزة استعادة الطاقة، والأغشية المركبة رقيقة الطبقات، وربط التحلية بالطاقة المتجددة، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية في التشغيل والصيانة.
وخلال إدارة الحوار مع الدكتور فتحي غراب، وكيل كلية علوم الأرض بجامعة بني سويف، ناقش «خفاجي» إمكانات التطورات الحديثة في علوم الأغشية والمواد في خفض استهلاك الطاقة، وزيادة نفاذية المياه، وتحسين فصل الأملاح، فضلاً عن دور الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بانسداد الأغشية، ووضع برامج للصيانة الوقائية والتنبؤ.
وتطور النقاش إلى رؤية أكثر شمولاً، تتعامل مع «الرجيع الملحي»، باعتباره مورداً اقتصادياً، وليس مجرد مخلف ينبغي التخلص منه. وطرحت المناقشات إمكانية تطبيق مفهوم «صفر رجيع سائل»، من خلال استعادة المياه والأملاح، وإنشاء وحدات لاستخلاص معادن مثل «الليثيوم والماغنسيوم والبوتاسيوم»، إلى جانب الاستفادة من فروق الملوحة في توليد الطاقة، وإعادة تدوير الأغشية والمواد المستخدمة، بما يضع محطات التحلية في قلب منظومة الاقتصاد الدائري.
كما قاد رئيس الجلسة النقاش حول التكامل بين الطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الضخ، من خلال مفهوم «الضخ المتجاوب مع الشمس»، الذي يتيح التحكم الذكي في المضخات ومحولات التردد وفق معدلات إنتاج الطاقة الشمسية، بما يرفع كفاءة التشغيل. وناقش المشاركون كذلك دور التوأم الرقمي في ربط حالة الأغشية والمضخات وأجهزة استعادة الطاقة بتوقعات الطقس وإنتاج الطاقة، لاتخاذ قرارات تشغيلية تقلل استهلاك الطاقة وتطيل عمر المعدات.
وفي المحور الاقتصادي، أدار «خفاجي» حواراً مع المهندس ظريف محمد، المدير التنفيذي لشركة «ميتيتو أبوظبي»، حول تحديات تمويل التحلية وتحديث المحطات القائمة، حيث ناقشت الجلسة نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، و«المياه كخدمة»، وعقود أداء الطاقة، باعتبارها أدوات لتخفيف أعباء الاستثمار الرأسمالي الأولي، وتقليل مخاطر التكنولوجيا، وربط عوائد التشغيل بمستويات الكفاءة والأداء.
وامتد الحوار إلى إدارة الأصول والأمن السيبراني وتأهيل الكوادر، مع التأكيد على أن التحول الرقمي في محطات التحلية يفرض حماية البنية التحتية الرقمية، وتحديث أنظمة التشغيل، وبناء قواعد بيانات متكاملة لكل أصل داخل المحطة، بما يسمح باتخاذ قرارات استباقية بشأن الإصلاح أو الاستبدال أو التطوير، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الأعطال بعد وقوعها.
وفي ختام الجلسة، حرص الدكتور يسري خفاجي على الانتقال من تشخيص التحديات، إلى صياغة حزمة من التوصيات، تضمنت تسريع تبني المضخات عالية الكفاءة وأجهزة استعادة الطاقة، وتحديث المحطات القائمة باستخدام محولات التردد وربطها بالتوائم الرقمية، والتوسع في التشغيل المباشر للمضخات بالطاقة الشمسية، وإطلاق مشروعات تجريبية لاستخلاص المعادن من الرجيع، ودعم تقنيات التناضح الأمامي المدعومة بالطاقة الشمسية، فضلاً عن دراسة إمكانات توليد الطاقة من فروق الملوحة.
كما شملت التوصيات التوسع في نماذج «المياه كخدمة» وعقود أداء الطاقة، وإطلاق برنامج وطني لتأهيل «مهندس التحلية الرقمي»، بالشراكة بين الجامعات ومراكز التدريب والجهات المعنية، بما يضمن توافر كوادر قادرة على إدارة الأنظمة الهيدروليكية والرقمية المتطورة.
ولم تقتصر مخرجات الحوار على الجوانب التقنية والاقتصادية، إذ أكد الأمين العام للمنتدى المصري للتنمية المستدامة، من خلال طرح دور المنتدى، أهمية إدماج المجتمع المدني في منظومة التحلية الذكية، باعتباره جسراً بين الدولة والمواطن، وشريكاً في تعزيز العدالة المائية والشفافية والمساءلة المجتمعية. وفي هذا السياق، برزت أهمية نقل شواغل المجتمعات الساحلية والأكثر احتياجاً إلى صناع القرار، وضمان أن تخدم مشروعات التحلية الحق في المياه بأسعار عادلة وشفافة.
واختتمت المناقشات بالتأكيد على إتاحة بيانات الأداء البيئي والطاقي للمحطات، مثل كميات الرجيع والبصمة الكربونية وتكلفة إنتاج المتر المكعب، بصورة مبسطة، يمكن للمجتمع متابعتها ومساءلة الجهات المعنية بشأنها. كما جرى التأكيد على دور المنتدى المصري للتنمية المستدامة في نشر الوعي بمفاهيم التحلية الذكية والتوأم الرقمي وكفاءة الطاقة، وتنظيم حوارات تجمع الحكومة والقطاع الخاص والأكاديميين والمجتمعات المحلية، ونقل التجارب المصرية إلى المحافل الإقليمية والدولية.