انكماش اقتصادي في غزة 84% وتراجع التنمية 77 عاماً.. والتعافي يتطلب 71.4 مليار دولار

لم يعد الدمار الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي العريية المحتلة يُقاس بالخسائر البشرية والمباني المدمرة وحدها، بل بما أحدثه من انتكاسات تنموية تهدد حاضر الأجيال ومستقبلها، وتبدد عقودًا من التقدم في التعليم والصحة والعمل والأمن الغذائي. فمن انكماش اقتصاد غزة بنسبة 84% إلى تراجع التنمية البشرية في القطاع بما يعادل 77 عامًا، تتكشف أزمة تتجاوز الكارثة الإنسانية الراهنة لتقوض مقومات التنمية المستدامة، وتضع أهداف خطة الأمم المتحدة لعام 2030 أمام تحديات غير مسبوقة.
ويحذر تقرير أعدّته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، ويغطي الفترة من الأول من أبريل 2025 إلى 31 مارس 2026، من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية العميقة وطويلة الأمد للاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين في الأرض المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وعلى السكان العرب في الجولان السوري المحتل.
ويكشف التقرير أن تدهور الأوضاع لا يقتصر على تدمير البنية التحتية، بل يمتد إلى تقويض فرص القضاء على الفقر والجوع، وضمان الصحة والتعليم، وتوفير العمل اللائق، والحد من عدم المساواة، وهي أهداف مترابطة لا يمكن تحقيقها دون الأمن والاستقرار واحترام الحقوق.
وتجسد غزة حجم الانهيار الذي أصاب مسارات التنمية؛ إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي للقطاع بنسبة 84% عام 2025 مقارنة بعام 2023، فيما يعادل التراجع في التنمية البشرية نحو 77 عامًا، بما يمثل انتكاسة واسعة لمكتسبات التنمية وفرص استعادتها.
وتنعكس هذه الخسائر مباشرة على الهدف الأول للتنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الفقر، والهدف الثامن الخاص بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي. فقد بلغت البطالة في الأرض الفلسطينية المحتلة 46% عام 2025، وارتفعت في غزة إلى 78%، في مؤشر على تقلص فرص العمل وتآكل مصادر دخل الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وفي مواجهة حجم الدمار، تُقدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة. ولا تعكس هذه الكلفة حجم الأضرار المادية فحسب، بل تكشف اتساع الاحتياجات اللازمة لاستعادة الخدمات والبنية التحتية وإحياء النشاط الاقتصادي وتوفير سبل العيش.
ويشكل الأمن الغذائي أحد أبرز أوجه الأزمة؛ إذ تأكد وقوع المجاعة في أجزاء من غزة خلال عام 2025، فيما يحتاج نحو ثلاثة ملايين شخص في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى مساعدات غذائية، وفق النداء الإنساني العاجل لعام 2026. وتضع هذه المعطيات الهدف الثاني، المتعلق بالقضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي، أمام تحديات جسيمة، مع تداعيات تمتد إلى صحة الأطفال ونموهم وقدرتهم على التعلم.
أما القطاع الصحي، فلم يكن يعمل، ولو جزئيًا، سوى 18 مستشفى من أصل 36 حتى يناير 2026، بما يحد من القدرة على تلبية الاحتياجات الطبية المتزايدة ويهدد التقدم نحو الهدف الثالث الخاص بالصحة الجيدة والرفاه.
وفي التعليم، بقي نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة خارج منظومة التعليم النظامي في غزة، بما يقوض الهدف الرابع المعني بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل. ولا يقتصر أثر الانقطاع عن الدراسة على فقدان فرص التعلم، بل يمتد إلى مستقبل الأطفال وقدرتهم على اكتساب المهارات والعمل والمشاركة في التنمية، ويزيد مخاطر انتقال الفقر بين الأجيال.
وتكشف الخسائر البشرية عن بُعد اجتماعي آخر؛ إذ يشير التقرير إلى مقتل أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2025. وتبرز هذه الحصيلة التحديات التي تواجه الهدف الخامس الخاص بالمساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات، في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالنزوح والعنف والحرمان من الخدمات الأساسية.
في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يرصد التقرير تصاعد الأنشطة الاستيطانية وعمليات الهدم والتهجير والقيود المفروضة على الحركة، إلى جانب عنف المستوطنين، بما يضعف قدرة المجتمعات الفلسطينية على الوصول إلى الأراضي والموارد ومصادر الدخل والخدمات.
وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، وُثقت 2018 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون وأسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات. كما جرى الدفع قدمًا بمخططات لبناء نحو عشرة آلاف وحدة سكنية أو الموافقة عليها في القدس الشرقية، إلى جانب أكثر من 26,640 وحدة في المنطقة «ج» من الضفة الغربية.
وتتجاوز آثار هذه التطورات التوسع العمراني إلى تقويض الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتعطيل الوصول إلى أماكن العمل والخدمات والموارد. وبذلك تتأثر أهداف القضاء على الفقر وتوفير العمل اللائق والحد من عدم المساواة، فضلًا عن الهدف الحادي عشر الخاص بإقامة مدن ومستوطنات بشرية شاملة وآمنة ومستدامة.
كما تبرز أهمية الهدف السادس عشر المتعلق بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، في ضوء ضرورة حماية المدنيين واحترام القانون الدولي وتعزيز العدالة والمساءلة. فحماية الأرض وسبل العيش تمثل جزءًا أساسيًا من تهيئة الظروف اللازمة للتنمية والاستقرار.
ويمتد التقرير إلى الجولان السوري المحتل، حيث تتواصل الأنشطة الاستيطانية، بما يشمل توسيع المستوطنات القائمة وإنشاء وحدات جديدة والاستيلاء على أراضٍ سورية. ويشير إلى وجود نحو 31 ألف مستوطن إسرائيلي في ما يقارب 35 مستوطنة بالمنطقة.
وتثير هذه التطورات تحديات تتعلق بالأرض والموارد وفرص التنمية والاستقرار المجتمعي للسكان العرب في الجولان، وتؤكد أهمية ضمان حقوقهم وقدرتهم على الاستفادة من الموارد وممارسة أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية. فالتنمية المستدامة تتطلب إدارة عادلة للموارد، وحماية حقوق السكان، وإتاحة مشاركتهم في تحديد أولويات مستقبلهم.
يدعو الأمين العام للأمم المتحدة، في ختام التقرير، إلى اتخاذ إجراءات إنسانية عاجلة ومستدامة، والتنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار، واحترام القانون الدولي، مؤكدًا ضرورة إنهاء الاحتلال، ومشددًا على أن السلام الدائم والشامل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال حل الدولتين عبر المفاوضات.
وتكشف النتائج أن إعادة الإعمار، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها لاستعادة التنمية؛ إذ يتطلب التعافي إعادة بناء البنية التحتية والخدمات، واستعادة فرص العمل والإنتاج، وضمان الأمن الغذائي والصحي، وإتاحة التعليم، وحماية النساء والأطفال، والحد من أوجه عدم المساواة.
وقد أُعد التقرير استنادًا إلى قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة رقم 2025/33 وقرار الجمعية العامة رقم 80/158، بالاعتماد على مساهمات من هيئات الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى.
وتؤكد المؤشرات أن الاحتلال لا يخلّف أزمة إنسانية آنية فحسب، بل يقوض الأسس التي تقوم عليها التنمية المستدامة، ويهدد بتوارث الفقر والحرمان وفقدان فرص التعليم والعمل والصحة بين الأجيال. وبينما تبلغ احتياجات التعافي وإعادة إعمار غزة 71.4 مليار دولار، تظل استعادة المسار التنموي مرهونة بمعالجة الأسباب التي تعوق الاستقرار والتقدم.
فأهداف التنمية المستدامة لا تتحقق في ظل انعدام الأمن والحرمان من الحقوق، بل تحتاج إلى بيئة تضمن الكرامة الإنسانية والعدالة والسلام. ومن ثم، فإن إنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين تمثل مرتكزات أساسية لتهيئة الظروف اللازمة للتعافي، واستعادة التنمية، وضمان مستقبل أكثر أمنًا وكرامة للأجيال الحالية والمقبلة.