على امتداد الساحل الشمالي لمصر، تبدو دلتا النيل في ظاهرها لوحة للحياة: أراضٍ زراعية خصبة، مدن وقرى مكتظة، موانئ ومناطق صناعية، ومجتمعات تعتمد على البحر والأرض في تأمين مصادر رزقها، لكن تحت هذه الصورة الهادئة، يكمن أحد أكثر التحديات المناخية تعقيداً في مصر، فالدلتا المنخفضة تواجه، في الوقت نفسه، ارتفاع مستوى سطح البحر، وتزايد مخاطر العواصف والفيضانات الساحلية، وتآكل الشواطئ، وهبوط أجزاء من سطح الأرض، فضلاً عن احتمالات تسرب المياه المالحة إلى الأراضي الزراعية والمياه الجوفية.
ولهذا لم تعد حماية دلتا النيل قضية بيئية محضة، وإنما أصبحت قضية تتصل مباشرة بالأمن الغذائي والمائي والاقتصادي والاجتماعي لمصر.
وتضع مصر، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP وصندوق المناخ الأخضر GCF، مشروعاً واسع النطاق لمواجهة هذه المخاطر، تحت اسم «تعزيز التكيف مع تغير المناخ في منطقة الساحل الشمالي ودلتا النيل». ويستهدف المشروع الحد من مخاطر الفيضانات الساحلية الناجمة عن التقاء عاملين رئيسيين: ارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد شدة وتواتر العواصف المتطرفة.
الدلتا عندما يرتفع البحر وتهبط الأرض
تكمن خطورة التهديدات التي يواجهها سكان دلتا النيل، في طبيعتها الجغرافية شديدة الانخفاض، فالمشكلة لا تتمثل في ارتفاع البحر وحده، إذ تتعرض أجزاء من الدلتا، في الوقت نفسه، لظاهرة هبوط سطح الأرض.

وتشير دراسات علمية إلى معدلات هبوط تراوح بين نحو 3.7 ملليمتر سنوياً في القطاع الشمالي الغربي من الدلتا، و7.7 ملليمتر في القطاع الشمالي، و8.4 ملليمتر في القطاع الشمالي الشرقي، وتزداد خطورة هذه المعدلات عندما تتزامن مع الارتفاع العالمي والإقليمي في مستوى سطح البحر، بما يعرف بـ«الارتفاع النسبي لمستوى سطح البحر.
ويحذر صندوق المناخ الأخضر (GCF) من أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد، قد يؤدي إلى غمر نحو 20% من مساحة دلتا النيل بحلول نهاية القرن، بما يهدد الأراضي والسكان والأنشطة الاقتصادية في هذه المنطقة الحيوية.
تهديد 6.1 مليون شخص في سيناريو المتر الواحد
وتكشف تقديرات دولية عن حجم التداعيات المحتملة بصورة أكثر وضوحاً، ففي سيناريو ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 0.5 متر، قد يتأثر نحو 3.8 مليون شخص، إلى جانب نحو 180 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. أما إذا بلغ الارتفاع مترًا واحداً، فتشير التقديرات إلى احتمال وصول عدد السكان المتأثرين إلى نحو 6.1 مليون شخص، بينما قد تصل مساحة الأراضي الزراعية المتأثرة، إلى نحو 450 ألف هكتار.
وهذه الأرقام لا تعني أن هذه الخسائر ستقع حتماً، وإنما تمثل سيناريوهات للمخاطر المحتملة، في حال عدم تنفيذ إجراءات التكيف والحماية، وهو ما يجعل الاستثمار المبكر في البنية التحتية الساحلية، والتخطيط المناخي، أداة لتقليل الخسائر المستقبلية.
مشروع حماية بـ105 ملايين دولار في 10 سنوات
في مواجهة هذه المخاطر، اعتمد صندوق المناخ الأخضر مشروع «تعزيز التكيف مع تغير المناخ في الساحل الشمالي ودلتا النيل بمصر»، والذي يجري تنفيذه على مدار 10 سنوات، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
ووفق أحدث بيانات الصندوق، تبلغ القيمة الإجمالية للمشروع نحو 105 ملايين دولار، منها 31.4 مليون دولار منحة من صندوق (GCF)، بينما يبلغ التمويل المشترك نحو 73.8 مليون دولار، ويستهدف المشروع نحو 18 مليون مستفيد، فيما تشير البيانات الحالية إلى أن نحو 81% من تمويل الصندوق، قد تم صرفه، ومن المقرر أن يكتمل المشروع بنهاية نوفمبر 2026.
ولا يقتصر المشروع على إقامة منشآت هندسية صلبة، بل يتبنى نهجاً يعتمد بدرجة كبيرة على الحلول القائمة على الطبيعة، بما في ذلك إنشاء حواجز من الكثبان الرملية وتثبيتها بالنباتات المحلية، والاستفادة من نواتج أعمال التجريف في دعم الحماية الساحلية.
69 كيلومتراً من السواحل المحمية.. خط الدفاع الأول
يمثل تنفيذ أعمال الحماية على امتداد 69 كيلومتراً، من أكثر عناصر المشروع وضوحاً على الأرض، وتتركز الأعمال في خمس مناطق ساحلية شديدة الخطورة، ضمن محافظات كفر الشيخ، والبحيرة، وبورسعيد، والدقهلية، ودمياط. وتستهدف هذه الحماية تقليل مخاطر الغمر البحري والعواصف، باستخدام حلول «ناعمة»، تتكامل مع النظم الطبيعية، بدلاً من الاعتماد الحصري على المنشآت الخرسانية.
اللافت أن المشروع لم يعد يركز على الحماية المادية فقط، بل يعمل على بناء منظومة أوسع لإدارة المنطقة الساحلية. وتوضح وزارة الموارد المائية والري أن مصر تعمل بالتوازي على إعداد خطة متكاملة لإدارة المناطق الساحلية، على امتداد نحو 1200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، مع دراسة تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر على المياه الجوفية، وحركة الرواسب، ووضع سيناريوهات تمتد حتى عام 2100.
من السدود إلى «الإنذار المبكر»
أحد أهم التحولات في المشروع أنه لا يتعامل مع الحماية الساحلية باعتبارها جداراً يفصل البحر عن اليابسة، وإنما باعتبارها منظومة لإدارة المخاطر. ويشمل ذلك جمع بيانات عن التضاريس، وخصائص الأمواج، والعواصف، واتجاهات التآكل، والترسيب، إلى جانب تطوير خطة الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، بما يسمح بإدخال المخاطر المناخية في قرارات التخطيط والتنمية والاستثمار.
وهذا التحول مهم لأن مواجهة تغير المناخ لا تنجح بمجرد بناء منشأة للحماية؛ إذ يجب معرفة متى يرتفع البحر، وأين تتراجع الشواطئ، وأي المناطق أكثر تعرضاً، وكيف تتحرك الرواسب، وما الذي يحدث للمياه الجوفية؟
حماية الزراعة قبل أن تصل الملوحة
وتكتسب حماية الدلتا أهمية خاصة بالنسبة للزراعة؛ فالمياه المالحة تمثل أحد أخطر التداعيات المحتملة لارتفاع مستوى سطح البحر، ليس فقط بسبب غمر الأراضي، وإنما بسبب تسرب مياه البحر إلى الخزانات الجوفية، وتدهور جودة التربة. ولهذا فإن حماية الساحل تعني، في الوقت نفسه، حماية منظومة إنتاج الغذاء، وسبل معيشة المجتمعات الزراعية والصيادين.
وتؤكد خطة المشروع أن الإدارة المتكاملة للساحل يجب أن تربط بين الحماية من الفيضانات، والتخطيط العمراني، وإدارة الموارد الطبيعية، وحماية الأنشطة الاقتصادية، بحيث لا تكون الاستجابة المناخية مشروعاً هندسياً منفصلاً عن الحياة اليومية للسكان.
حماية اليوم.. أقل كلفة من خسائر الغد
تكشف تجربة دلتا النيل أن تكلفة عدم التكيف قد تكون أكبر بكثير من تكلفة الوقاية، فكل كيلومتر من الساحل المحمي لا يمثل مجرد منشأة هندسية، وإنما خط دفاع عن طرق ومساكن وأراضٍ زراعية ومرافق اقتصادية ومصادر دخل.
ولهذا فإن الاستثمار في التكيف يجب النظر إليه باعتباره استثماراً في تجنب الخسائر، وليس مجرد إنفاق بيئي. والأهم أن مشروع دلتا النيل يقدّم نموذجاً مختلفاً في التعامل مع أزمة المناخ: حماية طبيعية وهندسية، رصد علمي، تخطيط طويل الأجل، وبناء قدرات المؤسسات المحلية.
وفي بلد يعتمد فيه ملايين المواطنين على الأراضي الخصبة والمناطق الساحلية، فإن نجاح هذه المنظومة لن يقاس بعدد الكيلومترات التي تمت حمايتها فقط، وإنما بعدد الأسر التي تمكنت من مواصلة العمل، والأراضي التي بقيت منتجة، والطرق التي ظلت مفتوحة، والمياه التي ظلت صالحة للاستخدام.