لم يعد أمام العالم متسع من الوقت للمضي بالوتيرة الحالية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فمع اقتراب عام 2030، تتقلص السنوات المتاحة لتنفيذ وعود قطعتها الدول قبل أكثر من عقد، بينما تتسع الفجوة بين الطموحات الدولية، والواقع الذي تفرضه الحروب والأزمات الاقتصادية وتغير المناخ وتراجع التمويل. ومن هنا اكتسب المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة لعام 2026 أهمية استثنائية، باعتباره محطة دولية لإعادة تقييم المسار، والبحث عن حلول أكثر سرعة وعدالة وابتكارًا.
وعقدت دورة عام 2026 من المنتدى، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، خلال الفترة من 7 إلى 15 يوليو الماضي، تحت شعار «إجراءات تحويلية ومنصفة ومبتكرة ومنسقة لخطة عام 2030»، في وقت لم يعد فيه الحديث عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة مجرد التزام سياسي بعيد المدى، بل أصبح سباقًا مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال السنوات الأربع المتبقية.
وخلال أعمال المنتدى، قدمت مجموعة من الدول استعراضاتها الوطنية الطوعية بشأن التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، فيما قدمت بعض الدول استعراضاتها للمرة الثالثة أو الرابعة، بما يعكس تطورًا نسبيًا في القدرات المؤسسية المتعلقة بالرصد والتقييم وإعداد التقارير، ويؤكد انتقال عملية المتابعة تدريجيًا من مرحلة إعلان الالتزامات إلى مرحلة قياس النتائج والمساءلة عنها.
وكانت الرسالة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إلى المشاركين واضحة ومباشرة: «لنجعل هذه السنوات الأخيرة ذات أهمية»، في إشارة إلى ضرورة تحويل ما تبقى من الفترة الزمنية لخطة التنمية المستدامة، إلى سنوات عمل مكثف، وليس مجرد مرحلة جديدة من التعهدات الدولية.

مؤشرات مقلقة.. وفجوة تتسع
جاء المنتدى في ظل مؤشرات دولية لا تسمح بالكثير من الاطمئنان؛ إذ تشير أحدث تقارير الأمم المتحدة إلى أن 36% فقط من أهداف التنمية المستدامة تسير على المسار الصحيح أو تحقق تقدمًا ملحوظًا، بينما تراجع واحد من كل سبعة أهداف إلى ما دون مستويات خط الأساس المسجلة في عام 2015.
وتكشف هذه الأرقام حجم التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي، خصوصًا البلدان النامية التي تحملت خلال السنوات الماضية وطأة أزمات متلاحقة، بدءًا من النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية، مرورًا بالكوارث المناخية، وصولًا إلى اضطرابات أسواق الطاقة والغذاء.
وكانت البلدان الأفريقية، وأقل البلدان نموًا، والدول النامية غير الساحلية، والدول الجزرية الصغيرة النامية، من بين الأكثر تعرضًا لتداعيات هذه الأزمات، بعدما تسببت الصدمات المتتالية في تقويض مكاسب تنموية تحققت بصعوبة على مدار سنوات.
وفي الوقت نفسه، يفرض تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية ضغوطًا إضافية على الموازنات الوطنية، ويقلص قدرة الدول الأكثر احتياجًا على تمويل مشروعات التنمية، بينما لا تزال فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة تقدر بنحو 4 تريليونات دولار سنويًا، بما يعكس اتساع المسافة بين الاحتياجات الفعلية والموارد المتاحة.
الابتكار.. نافذة أمل في مواجهة الأزمات
ورغم الصورة الصعبة، لم يخرج المنتدى برسالة تشاؤمية خالصة، بل كشف عن مجموعة من التجارب والمبادرات التي يمكن البناء عليها لتسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فقد عرضت دول نامية تجارب مبتكرة في تعبئة الموارد المحلية، إلى جانب مشروعات متكاملة تربط بين قطاعات المياه والطاقة، ومن بينها حلول تجمع بين تحلية المياه وإنتاج الطاقة المتجددة، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد ويقلل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
كما برزت أهمية تطوير نظم البيانات والإحصاءات الوطنية، باعتبارها أساسًا لاتخاذ القرارات القائمة على الأدلة وتحديد الأولويات التنموية بدقة، خاصة في الدول التي تواجه محدودية في الموارد.
وفي السياق ذاته، اكتسبت الدعوات إلى تجاوز الاعتماد المفرط على الناتج المحلي الإجمالي باعتباره المؤشر الرئيسي لقياس مستوى التنمية زخمًا متزايدًا، مع تصاعد الاهتمام بمؤشرات أكثر شمولًا، وفي مقدمتها مؤشر الضعف متعدد الأبعاد، الذي يمكن أن يساعد في توجيه التمويل الميسر نحو الدول الأكثر احتياجًا، وفقًا لدرجة تعرضها الفعلية للصدمات وليس وفقًا لمؤشرات الدخل وحدها.
وتقدم تجربة جامايكا مثالًا على إمكانية الجمع بين الإصلاح المالي والاستعداد لمواجهة الصدمات المناخية، حيث أظهرت الإصلاحات المالية متعددة السنوات قدرة على توفير حيز أكبر للإنفاق التنموي وبناء القدرة على الصمود، حتى في مواجهة الأعاصير والكوارث الطبيعية واسعة النطاق.
الأمن المائي.. أولوية عربية
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، حملت مداولات المنتدى رسائل شديدة الأهمية، في مقدمتها ضرورة وضع الأمن المائي في قلب أجندة التنمية المستدامة، في ظل ما تواجهه المنطقة من ندرة متزايدة في المياه وضغوط سكانية ومناخية متصاعدة.
وقد أكد رئيس المنتدى العربي للتنمية المستدامة أن «الأمن المائي يقع في صميم التنمية المستدامة في المنطقة العربية»، وهي رسالة تكتسب أهمية خاصة مع اقتراب انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي خلال ديسمبر 2026، والذي تستضيفه الإمارات العربية المتحدة والسنغال بشكل مشترك.
ويمنح هذا المؤتمر الدول العربية فرصة مهمة للمشاركة في صياغة أولويات الأجندة العالمية للمياه خلال المرحلة المقبلة، وطرح احتياجات المنطقة وتحدياتها، خصوصًا في مجالات تحلية المياه، وإعادة الاستخدام، وكفاءة إدارة الموارد المائية، والربط بين المياه والطاقة والأمن الغذائي.
تنويع الاقتصاد والتحول الرقمي
ولا تقتصر الرسائل العربية التي حملها المنتدى على ملف المياه؛ إذ برز التنويع الاقتصادي باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لبناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات العالمية وتقلبات أسواق الطاقة.
وفي هذا السياق، قدمت البحرين نموذجًا لافتًا، بعدما أوضحت أن أي قطاع اقتصادي منفرد لا يساهم حاليًا بأكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس مسارًا نحو تقليل الاعتماد على قطاع واحد، ويمكن أن يمثل تجربة مفيدة للاقتصادات العربية الساعية إلى تنويع مصادر النمو والدخل.
كما فرض التحول الرقمي وحوكمة الذكاء الاصطناعي نفسيهما بقوة على النقاش التنموي، بما يؤكد أن قدرة الدول على المنافسة خلال السنوات المقبلة لن تعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو حجم الأسواق، وإنما أيضًا على امتلاك بنية تحتية رقمية قوية، وقوى عاملة تمتلك المهارات اللازمة للاقتصاد الجديد.
ومن ثم، تبدو الحاجة ملحة أمام الدول العربية إلى توسيع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والتعليم والتدريب، والبحث والابتكار، مع وضع أطر فعالة لحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي بما يضمن الاستفادة من فرصه وتقليل مخاطره الاجتماعية والاقتصادية.
شراكات «جنوب – جنوب».. ومسؤولية ما بعد 2030
وفي مواجهة اتساع فجوة التمويل وتعدد التحديات، يبرز التعاون بين بلدان الجنوب والشراكات الثلاثية كمسار واعد أمام الدول العربية لتبادل الخبرات وتوسيع نطاق الحلول التنموية، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة وإدارة المياه والتحول الرقمي.
وتملك الدول العربية تجارب وخبرات يمكن مشاركتها مع دول الجنوب، كما يمكنها الاستفادة من تجارب دول أخرى في إدارة الموارد المحدودة، وبناء القدرة على الصمود، وتطوير نظم الحماية الاجتماعية والتمويل المبتكر.
ومع اقتراب قمة أهداف التنمية المستدامة لعام 2027، التي ستفتح الباب أمام مفاوضات بشأن الإطار التنموي لما بعد عام 2030، فإن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل الأجندة الدولية الجديدة.
وبالنسبة إلى الدول العربية، لا ينبغي أن تقتصر المشاركة على متابعة المفاوضات، وإنما يتعين أن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة الإطار الجديد، بما يضمن إدماج التحديات التي تواجه المنطقة في أولويات التنمية العالمية، وفي مقدمتها ندرة المياه، وبطالة الشباب، وتداعيات تغير المناخ، والنزاعات والنزوح، والحاجة إلى تنويع الاقتصادات وتسريع التحول الأخضر والرقمي.
وبعد أسابيع من اختتام منتدى يوليو في نيويورك، تبدو رسالته أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: لم تعد السنوات الأربع المتبقية حتى 2030 مساحة زمنية واسعة للمناورة، وإنما نافذة أخيرة لتغيير مسار التنمية.
فنجاح خطة 2030 لن يقاس بعدد التعهدات التي تُعلن في المؤتمرات، وإنما بقدرة الدول على تحويلها إلى سياسات واستثمارات ومشروعات تصل آثارها إلى الناس، خصوصًا الفئات والمجتمعات الأكثر هشاشة. وبينما يقترب الموعد النهائي، يصبح شعار «لنجعل السنوات الأخيرة ذات أهمية» أكثر من مجرد رسالة سياسية؛ إنه دعوة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن قياس النوايا إلى قياس النتائج، ومن انتظار المستقبل إلى بنائه الآن.