أكدت الدكتورة ياسمين فؤاد، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، أن الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP-17)، المنعقدة في العاصمة المنغولية «أولانباتار»، تمثل محطة مهمة للانتقال بجهود مكافحة الجفاف وتدهور الأراضي، من مرحلة الالتزامات والتعهدات إلى التنفيذ الفعلي، من خلال تطوير آليات تمويلية جديدة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتعزيز دور القطاع الخاص.
واستعرضت الأمين التنفيذي لاتفاقية مكافحة التصحر، خلال لقاء مع مجموعة من الصحفيين المصريين، عبر تقنية «زووم»، أبرز الملفات المطروحة على أجندة المؤتمر، وفي مقدمتها تمويل استعادة الأراضي، ومواجهة الجفاف، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير شراكات جديدة بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية.
وأوضحت «فؤاد» أن مؤتمر (COP-17) يستكمل ما تم التوصل إليه في الدورة السابقة (COP-16) في الرياض، مع تركيز أكبر على تحويل المبادرات والقرارات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والتمويل، مشيرة إلى أن «ملف المراعي» يحظى بأهمية خاصة خلال الدورة الحالية، باعتباره مرتبطًا بصورة مباشرة بتدهور الأراضي، وسبل عيش المجتمعات المحلية.
وأضافت أن منغوليا تمثل نموذجًا واضحًا لهذه العلاقة، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من سكانها على المراعي، وأن التحضيرات للمؤتمر شهدت مسارًا ميدانيًا امتد لنحو 7 آلاف كيلومتر، لجمع مطالب الرعاة والمجتمعات المحلية، ونقلها إلى صانعي السياسات والجهات التنفيذية.
وأشارت إلى أن المؤتمر يشهد توجهًا لإطلاق تحالف خاص بالمراعي، يتضمن حزمة تمويلية لدعم المجتمعات المحلية والقطاع الخاص، بما ينقل قضية المراعي من نطاق الاهتمام السياسي، إلى مرحلة السياسات والاستثمار والتنفيذ.
ورداً على سؤال لـ«جسور 2030» حول الفجوة التمويلية العالمية في مواجهة التصحر والجفاف، أكدت «فؤاد» أن الاتفاقية تعمل على تفعيل مجموعة من الأدوات التمويلية المبتكرة، بدعم من «الآلية العالمية» المعنية بحشد الموارد، بهدف تنويع مصادر التمويل، وتوسيع قاعدة الجهات المشاركة في تمويل مشروعات استعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف.
وأوضحت أن من بين هذه الأدوات «الصندوق العالمي للجفاف»، الذي يتم تمويله من خلال مبادرة الرياض بإجمالي يصل إلى نحو 12 مليار دولار من الدول العربية، على أن يبدأ استقبال مقترحات المشروعات خلال النصف الأول من عام 2027. كما تتضمن المنظومة آلية لتقليل المخاطر، بهدف تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في مشروعات الأراضي، في ظل محدودية مساهمته الحالية، التي لا تتجاوز نحو 6% من التمويل المرتبط بهذا المجال.
وأضافت أن الاتفاقية تعمل كذلك على تطوير شبكة لمجالس الأعمال المعنية بالأراضي، مع إطلاق مجالس في عدد من الدول، من بينها منغوليا والصين وفرنسا وجنوب أفريقيا، بهدف تشجيع الشركات على تبني أهداف طوعية لاستعادة الأراضي، وتطوير مبادرات استثمارية يمكن أن تستفيد من الخبرات المرتبطة بآليات الكربون والأسواق البيئية.
وفي الجانب التكنولوجي، أشارت فؤاد إلى توقيع اتفاق مع جامعة «ييل» لنقل المنصة التقنية الخاصة بـالأطلس العالمي للجفاف، وإتاحتها ضمن أدوات مواجهة مخاطر الجفاف، بما يساعد الدول على تحسين عمليات الرصد والتخطيط وتوجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر.
وأكدت أن نجاح منظومة التمويل الجديدة يتطلب أيضًا تطوير السياسات الوطنية، بما يوفر حوافز اقتصادية وتشريعية تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وفي مقدمتها الحوافز الضريبية وآليات السوق، بالتوازي مع مراجعة السياسات التي قد تؤدي إلى زيادة ملوحة التربة أو تسريع تدهور الأراضي.
وشددت على أن التحدي لم يعد توفير التمويل فقط، وإنما ضمان توجيهه إلى مشروعات تحقق أثرًا طويل الأجل، من خلال الجمع بين التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات، ورفع قدرة المؤسسات والمجتمعات المحلية على تنفيذ المشروعات وإدارتها والحفاظ على نتائجها.
وفي هذا السياق، أوضحت الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن تعزيز مشاركة القطاع الخاص يمثل أحد المسارات الأساسية لسد الفجوة التمويلية، مشيرة إلى أن استعادة الأراضي يمكن أن تتحول إلى مجال للاستثمار إذا توافرت الحوافز المناسبة، وأصبحت المشروعات قادرة على الجمع بين العائد الاقتصادي والمردود البيئي.
كما أكدت أهمية تعزيز التكامل بين اتفاقية مكافحة التصحر واتفاقيتي تغير المناخ والتنوع البيولوجي، بما يسمح بتطوير مشروعات مشتركة تحقق أهدافًا متعددة في مجالات استعادة الأراضي والتكيف المناخي وحماية التنوع البيولوجي والأمن الغذائي.
وأعلنت تخصيص يوم 27 أغسطس خلال المؤتمر لمناقشة هذا الترابط بين الاتفاقيات البيئية الثلاث، واستعراض مشروعات ميدانية تضع التربة في قلب جهود حماية الأمن الغذائي وتعزيز القدرة على التكيف، على أن يتم نقل هذه الأجندة إلى المؤتمرات الدولية المقبلة المعنية بالتنوع البيولوجي وتغير المناخ.
وأكدت «فؤاد» أن التحركات الجارية في (COP-17) تستهدف بناء منظومة أكثر استدامة لتمويل مواجهة الجفاف وتدهور الأراضي، تقوم على تنويع مصادر التمويل، وتقليل مخاطر الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات، بما يتيح تحويل الخطط الوطنية والإقليمية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.