فازت جمهورية مصر العربية بالإجماع، باستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP-18)، المقرر عقدها في مدينة شرم الشيخ عام 2028، في خطوة تعكس الثقة الدولية في قدرة مصر على تنظيم واستضافة المؤتمرات البيئية العالمية الكبرى، وتفتح المجال أمام محطة جديدة في الجهود الدولية لمواجهة تدهور الأراضي والتصحر والجفاف، وربطها بقضايا تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والأمن الغذائي والمائي.
جاء الإعلان الرسمي عن استضافة مصر للمؤتمر، عقب اختتام أعمال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف ((COP-17)، التي استضافتها العاصمة المنغولية «أولان باتور»، على مدى أسبوعين، وشهدت مفاوضات ومناقشات مكثفة، حول سبل الانتقال من مرحلة التعهدات الدولية إلى التنفيذ الفعلي، عبر توسيع نطاق التمويل والاستثمار، وإعداد مشروعات قابلة للتمويل، وتعزيز الشراكات الدولية القادرة على توسيع نطاق الحلول الخاصة باستعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف.
ومن المنتظر أن تمثل استضافة شرم الشيخ لمؤتمر (COP-18)، فرصة جديدة للدول الأطراف للبناء على ما تحقق في «أولان باتور»، وتقييم التقدم المحرز في استعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، إلى جانب دفع الدول نحو تسريع تنفيذ التزاماتها المتعلقة بحماية الأراضي والموارد الطبيعية.
وأكدت مصر، في إطار استعدادها لاستضافة الدورة المقبلة، أهمية تعزيز التعاون الدولي، وتبني نهج متكامل للتعامل مع تدهور الأراضي وتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، باعتبار أن هذه التحديات لم تعد قضايا منفصلة، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والمائي، وقدرة المجتمعات والدول على الصمود أمام الضغوط البيئية والمناخية المتزايدة.
وتكتسب استضافة مصر للمؤتمر أهمية خاصة، في ظل اتساع نطاق أزمة تدهور الأراضي عالميًا، إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن ما يصل إلى 40% من أراضي العالم أصبحت متدهورة، في الوقت الذي تعهدت فيه الدول باستعادة أكثر من مليار هكتار، بحلول عام 2030، وهو ما يجعل السنوات القليلة المقبلة حاسمة في تحويل التعهدات إلى مشروعات وبرامج ملموسة، قادرة على إحداث أثر حقيقي على الأرض، وفي حياة المجتمعات، التي تعتمد بصورة مباشرة على الأراضي والموارد الطبيعية.
وتركزت المناقشات خلال مؤتمر (COP-17) على ضرورة الانتقال من الالتزام إلى التنفيذ، من خلال توفير آليات تمويل مبتكرة، وبناء محافظ من المشروعات القابلة للاستثمار، وتوسيع الشراكات بين الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وقالت الدكتورة ياسمين فؤاد، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إن المشاركين غادروا «أولان باتور» مع مزيد من الأدوات والهياكل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وفي مقدمتها آليات التمويل المبتكرة، ومحافظ المشروعات القابلة للاستثمار، والشراكات القادرة على توسيع نطاق الحلول.
وشهد مؤتمر (COP-17) إطلاق عدد من المبادرات الدولية الهادفة إلى حشد الموارد، وتعزيز الاستثمار في استعادة الأراضي، والحد من مخاطر الجفاف، من بينها «المبادرة الرائدة للمراعي»، التي نجحت في تعبئة نحو 1.2 مليار دولار، عبر 45 مشروعًا. كما شهد المؤتمر إطلاق «مرفق الاستثمار في القدرة على الصمود أمام الجفاف»، الذي يستهدف حشد ما يصل إلى 400 مليون دولار من رؤوس الأموال العامة والخاصة، لتمويل مشروعات ترتبط بأمن المياه والزراعة المستدامة والحلول القائمة على الطبيعة واستعادة الأراضي.
وأعلن المشاركون كذلك عن محفظة تمويلية بقيمة 1.3 مليار دولار لدعم مشروعات استعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف في 23 دولة، موزعة على خمس قارات، تشمل 644.5 مليون دولار من التمويلات الجديدة، جرى تأكيد 216.4 مليون دولار منها بالفعل، وبدأت في التحرك نحو مرحلة التنفيذ.
وتأتي استضافة مصر لمؤتمر (COP-18) في شرم الشيخ، امتدادًا لسجل المدينة في استضافة الفعاليات الدولية الكبرى المرتبطة بالبيئة والمناخ والتنمية المستدامة، وهو سجل عزز مكانتها كإحدى أبرز المدن العالمية القادرة على احتضان مؤتمرات الأمم المتحدة ذات الأجندات البيئية المعقدة.
ففي عام 2018، استضافت شرم الشيخ مؤتمر الأطراف الرابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (COP-14)، الذي جمع ممثلي الحكومات والمنظمات الدولية والخبراء والمجتمع المدني، لمناقشة حماية التنوع البيولوجي، ووقف تدهور النظم البيئية، وتعزيز دمج اعتبارات التنوع البيولوجي في خطط التنمية.
وبعد ذلك بأربع سنوات، عادت شرم الشيخ إلى واجهة العمل المناخي العالمي، عندما استضافت الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP-27) عام 2022، والتي شكلت محطة بارزة في مسار المفاوضات الدولية حول تغير المناخ، وشهدت التوصل إلى اتفاق تاريخي لإنشاء ترتيبات تمويلية تتعلق بالخسائر والأضرار الناجمة عن آثار تغير المناخ، بما عزز مكانة مصر ودورها في دفع قضايا الدول النامية والأكثر تعرضًا للتأثيرات المناخية.