لم تعد الطاقة المتجددة مجرد أداة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ومواجهة تغير المناخ، بل تبرز أيضًا كأحد المسارات الواعدة لاستعادة الأراضي المتدهورة، وحماية النظم البيئية، إذا جرى التخطيط لمشروعاتها على نحو يراعي طبيعة الأرض، والموارد المائية، والتنوع البيولوجي، واحتياجات المجتمعات المحلية.
وضمن فعاليات مؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP-17)، المنعقد في العاصمة المنغولية «أولان باتور»، ناقش خبراء ومسؤولون دوليون سبل تحقيق التكامل بين التوسع في الطاقة المتجددة، واستعادة الأراضي، مستعرضين نماذج من جنوب أفريقيا والصين والهند، أثبتت إمكانية الجمع بين إنتاج الطاقة النظيفة، وتحسين النظم البيئية، حيث يضم برنامج المؤتمر جلسة مخصصة لبحث أوجه التكامل بين نشر الطاقة المتجددة واستعادة الأراضي.
وتشير المناقشات إلى أن التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، سيقود إلى توسع كبير في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وهو ما يجعل التخطيط لاستخدامات الأراضي عنصرًا حاسمًا لضمان ألا تتحول البنية التحتية للطاقة النظيفة إلى مصدر جديد للضغط على النظم الطبيعية.
في هذا السياق، أكد جوليان بلانك، رئيس فرع التنوع البيولوجي والأراضي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن التوسع في الطاقة المتجددة يمثل أحد أكبر التحولات في استخدام الأراضي، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان حدوث هذا التوسع بطريقة تحسن حالة الأراضي والنظم البيئية وحياة السكان.
وتقدم التجارب الدولية نماذج على هذا التكامل؛ ففي جنوب أفريقيا جرى توظيف مساحات من الأراضي المتدهورة، كانت مخصصة للتعدين، في مشروعات للطاقة المتجددة، بينما تشهد مناطق صحراوية في الصين دمج الألواح الشمسية مع الغطاء النباتي وتقنيات حصاد مياه الأمطار، بما يساعد على تثبيت الرمال، واستعادة الغطاء النباتي، وفي الهند يتيح الري بالطاقة الشمسية للمزارعين استخدام الأرض لإنتاج الغذاء والطاقة في الوقت نفسه، مع إمكانية الاستفادة من فائض الكهرباء كمصدر دخل إضافي.
غير أن الخبراء يحذرون من التعامل مع الطاقة المتجددة باعتبارها خالية من التأثيرات البيئية؛ فقد تتطلب بعض المشروعات إزالة الغطاء النباتي، أو تؤثر في الحياة البرية، ومسارات المياه، كما قد يؤدي تركّز مشروعات متعددة في منطقة واحدة إلى زيادة الضغوط على الموارد الطبيعية والمجتمعات المحلية. ولهذا يشدد الخبراء على ضرورة تقييم المنطقة بالكامل، قبل اختيار مواقع المشروعات، بما يشمل التنوع البيولوجي، والمياه، ومخاطر الجفاف والفيضانات، إلى جانب إشراك السكان المحليين والاستفادة من معارفهم التقليدية.
وترى الدكتورة ياسمين فؤاد، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، أن هذه الرؤية تتسق هذه الرؤية مع رسالة مؤتمر (COP-17)، المنعقد في «أولان باتور» خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس 2026، تحت شعار «استعادة الأراضي.. استعادة الأمل»، مشيرةً إلى أن ما يصل إلى 40% من أراضي العالم تعاني من التدهور، ومن ثم، فإن التحدي لم يعد إنتاج طاقة نظيفة فحسب، بل تصميم بنية تحتية للطاقة، يمكن أن تكون جزءًا من الحل لأزمات المناخ، وتدهور الأراضي، والمياه، والتنوع البيولوجي في آن واحد.
وجددت «فؤاد» التأكيد على أن الأراضي الصحية تمثل أساسًا للأمن الغذائي، وسبل العيش، والاستقرار، داعية إلى تحويل الالتزامات الدولية إلى استثمارات وحلول عملية لاستعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف. وقالت إن مؤتمر الأطراف يجب أن يدفع نحو «حلول عملية وقابلة للاستثمار»، تشمل استعادة الأراضي، والتربة المتدهورة، وتعزيز الترابط بين الأرض والمياه، بما يسمح للمجتمعات بالازدهار.