خاص لـ«جسور 2030» من الخرطوم – الصديق علي:
عند نقطة التقاء النيلين الأزرق والأبيض في الخرطوم، كانت توجد غابة خضراء كثيفة، تُعرف باسم «غابة السنط»، شكّلت لأجيال متعاقبة من أبناء العاصمة السودانية «رئة» المدينة، ومحجّ طيورها المهاجرة. إلا أنها اليوم، اصبحت غير موجودة، بسبب القطع الجائر، لتتحوّل أجزاء واسعة منها إلى أرض قاحلة، في واحدة من أبرز الأدلة على التدهور البيئي، الذي يرافق سنوات الحرب في السودان.

تشريعات حماية الغطاء النباتي
يستند الإطار القانوني لحماية الغابات في السودان إلى عدة تشريعات متعاقبة، منها قانون الغابات المركزية لسنة 1932، وقانون غابات المديريات في العام نفسه، والذي يُعد أول تنظيم قانوني لحماية الغابات من الاستغلال الجائر، وقانون الهيئة القومية للغابات لسنة 1989، الذي أنشأ الجهة الفنية المسؤولة عن إدارة الغابات الاتحادية والولائية، ومنحها حراسًا ومحافظين بصفة ضبطية قانونية.

كما تتضمن تشريعات حماية الغطاء النباتي قانون الغابات والموارد الطبيعية المتجددة لسنة 2002، الذي ألزم بتصريح رسمي لأي نقل لمحاصيل الغابات، ويحدد النوع والكمية والجهة الناقلة، ويحظر تداولها دون الحصول على التصريح المطلوب، بالإضافة إلى قانون حماية البيئة لسنة 2001، الذي أنشأ المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، المكلَّف بالتنسيق مع الاتفاقيات البيئية الدولية، وتحديد جهات تنفيذها محليًا.

كيف يتم التنفيذ فعليًا؟
مدير غابات ولاية الخرطوم، المهندس زرياب حسن، أوضح في تصريحات صحفية، أن الحرب تسببت في فقدان كميات هائلة من الغطاء الشجري في مواقع متعددة، لم تقتصر على الغابات المحجوزة رسميًا، بل طالت مساحات خضراء مفتوحة أيضًا، مؤكدًا أن الهيئة القومية للغابات تسعى، بالشراكة مع المجتمع المحلي، للوقوف أمام هذه الهجمات المتكررة.

وبينما تعمل هيئة الغابات على تنفيذ حملات استزراع جديدة في المساحات التي طالها التدهور، شنت الأجهزة الأمنية، ممثلة في الإدارة العامة للمباحث الجنائية، عدة حملات ميدانية، أسفرت عن ضبط عشرات المتورطين في القطع الجائر للأشجار، ومصادرة معدات ووسائل نقل الأخشاب.
إلا أن مصادر محلية وتقارير صحيفة وإعلامية متعددة، توثّق أن هذه الجهود، رغم وجودها، لم تستطع مجاراة وتيرة التدهور، خصوصًا في ظل انهيار الأمن، وانقطاع الكهرباء، وندرة غاز الطهي، ما حوّل الغابات، بحسب مسؤولين في القطاع، إلى «مصدر طاقة اضطراري» لملايين السكان.

أشجار «السنط» تخوض معركة البقاء
تتميز شجرة «السنط» بأنها شجرة متوسطة إلى دائمة الخضرة، يصل ارتفاعها أحيانًا إلى 25 أو 30 مترًا، وتنتشر طبيعيًا في المناطق الجافة من أفريقيا، من السنغال إلى مصر وجنوب أفريقيا، كما تنتشر في عدة مناطق في آسيا، من الجزيرة العربية، إلى الهند وبورما.
وتتعدد الفوائد البيئية والاقتصادية لأشجار «السنط»، حيث تعمل على تثبيت النيتروجين في التربة، ما يرفع خصوبتها ويجعلها ملائمة لنمو نباتات أخرى حولها، وإنتاج «الصمغ العربي»، أحد أهم الصادرات الاقتصادية التقليدية للسودان، بالإضافة إلى توفير أخشاب صلبة، استُخدمت تاريخيًا في فلنكات السكك الحديدية، والأخشاب المنشورة. كما تلعب أشجار «السنط» دوراً حيوياً في تثبيت التربة، والحد من الانجراف على ضفاف الأنهار، بفضل جذورها العميقة، وتساعد في توفير مواقع تعشيش وظل وغذاء، لعشرات الأنواع من الطيور والحياة البرية.

وبالنسبة للمدى الزمني لاستعادة الغطاء الشجري، الذي تعرض لعمليات قطع واعتداءات جائرة، يشير خبراء الغابات إلى أن أشجار «السنط» تحتاج سنوات عادة ما بين 8 إلى 15 سنة، لتصل إلى نمو متوسط، يعيد جزءًا من وظائفها البيئية، بينما تحتاج الغابة ككل، كنظام بيئي متكامل بطبقاته النباتية والحيوانية المتفاعلة، إلى عقود، لاستعادة التوازن الذي فقدته، لاسيما إذا صاحب القطعَ تجريفٌ للتربة وتغييرٌ في استخدام الأرض، كما هو موثق حاليًا في مواقع من الغابة تحولت إلى أرض قاحلة.

شهادات السكان وإفادات الخبراء
الصادق عبدالقادر، مواطن يقيم بالقرب من غابة «السنط»، تحدث عن ازدهار تجارة الأخشاب والفحم خلال الفترة بين عامي 2025 وأوائل عام 2026، قائلاً إنه بعد الطلب الكبير علي الفحم والأخشاب، في ظل الفجوة الكبيرة في انعدام الغاز والوقود، ارتفعت أسعار الفحم والخشب بصورة شجعت الكثيرين على قطع الأشجار والمتاجرة بها، في ظل عدم وجود أي رقابة علي الغابة، التي كانت هدفاً سهلاً، وسرعان ما تحولت إلى «مصدر رزق» يدر عائداً مادياً سريعاً.
كما أشارت تقارير إلى بعض الممارسات المماثلة، التي شهدتها مناطق أخرى، منها ولاية جنوب كردفان، حيث تتدفق كميات كبير من الفحم النباتي إلى الأسواق يومياً، وسط اعتماد كامل للسكان عليه، في ظل انقطاع الكهرباء وإمدادات الغاز، كما أصبح يستخدم بكثافة في مصانع الطوب، وأفران المخابز البلدية، واعتبرت التقارير أن نفس هذه الأنماط أصبحت سائدة في غابة «السنط» بالخرطوم.
واعتبرت الدكتورة منى الفاضل، أستاذ الإعلام البيئي، أن ما ما تعرضت له غابة «السنط» ليس مجرد قطع أشجار عشوائي، بل انهيار كامل لمنظومة بيئية عمرها عقود. الغابة كانت بمثابة «رئة الخرطوم»، إذ تعمل كمصدّ طبيعي للغبار والحرارة، وموطناً للطيور المهاجرة والحياة البرية المحلية.
وأوضحت أنه مع انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، منذ اندلاع النزاع عام 2023، وغياب أي رقابة أمنية فعلية على المحمية، تحوّلت الغابة إلى مصدر بديل للطاقة، عبر الاحتطاب الجائر، وإنتاج الفحم، وهو ما استغلته أيضاً شبكات تجارية منظمة للربح في ظل الانهيار الاقتصادي.

الأمن الغذائي في دائرة الخطر
تأثيرات القطع الجائر للأشجار في غابة «السنط» لا تقتصر فقط على فقدان الغطاء النباتي، فتدهور التربة الناتج عن اقتلاع الأشجار، يقلل خصوبة الأرض وقدرتها الزراعية، ما ينعكس على الأمن الغذائي المحلي، ويهدد بانقراض أنواع نباتية وحيوانية، كانت الغابة موطناً لها. كما أن اختفاء الغطاء الشجري يزيل حاجزاً طبيعياً كان يخفف من حدة التصحر الزاحف على العاصمة.
الجانب الإيجابي الوحيد، وسط مشاهد التدهور التي أصابت الغطاء النباتي، هو أن تربة الغابة تحتفظ بـ«بنك بذور طبيعي» عالي معدل الإنبات، ما يعني أن التعافي الذاتي ممكن نظرياً، بمجرد توفر الحماية، وموسم فيضان مناسب. لكن هذا لا يغني عن تدخل عاجل، من خلال تأمين الموقع بسياج ومراقبة دائمة، وتوفير بدائل طاقة مدعومة للسكان المجاورين، لوقف الضغط البشري، وتفعيل رادع قانوني حقيقي لقطع الأشجار، وبرى الخبراء أنه بدون ذلك، فإن أي جهود تشجير ستبقى مؤقتة، وستُستنزف من جديد.
مع استمرار الحرب وتداعياتها على الداخل السوداني، تبقى غابة «السنط» قصة مفتوحة النهاية، تشريعات الحماية قائمة منذ 1932، وحمايتها الدولية مقترحة منذ عقود، ومؤسساتها معروفة بالاسم، لكن صور الأرض القاحلة، التي تداولها المواطنون مؤخرًا، تطرح سؤالًا واحدًا، لا تُجيب عنه الأوراق وحدها: هل تملك هذه الغابة عقدًا آخر من الزمن تستعيد فيه ما فقدته، أم أن ذاكرة الخرطوم الخضراء توشك أن تصبح مجرد اسم في سجلات البحوث العلمية والتقارير الإعلامية.