خاص لـ«جسور 2030» من جنين – عهد حجاج

بين أشجار الصنوبر بدأت الحكاية، قبل أن تصبح أحراش «أم التوت» بالنسبة إلى «أحمد»، مكانًا يحتاج إلى الحماية، شكلت هذه الأحراش جزءًا من طفولته، قضى سنواته الأولى بين أشجار الصنوبر، يعرف طرقها ومساحاتها، ويرتبط بالمكان كما يرتبط الطفل بمساحة اعتاد أن يجد فيها الهواء والظل واللعب، بالنسبة إليه، لم تكن الأشجار مجرد جذوع وأغصان، بل جزءًا من ذاكرة المكان التي كبرت معه.

لكن المشهد الذي عرفه أحمد بدأ يتغير. أشجار تُقطع، وأخرى تختفي، وأجزاء من الغطاء النباتي تتعرض للتغيير. ومع الوقت، لم تعد المسألة بالنسبة لسكان المنطقة مجرد تغير في شكل المكان، إذ أصبح خشب الأشجار المقطوعة يُستخدم في أغراض مختلفة، من إقامة العرائش ومنشآت المواشي، إلى بيعه حطبًا.

تشير المعلومات التي حصلت عليها معدة التحقيق إلى أن الاستفادة من أخشاب الصنوبر لا تقتصر على الاستخدام الشخصي، بل تشمل التجارة بالحطب، ما يحول قطع الأشجار إلى نشاط ذي مردود اقتصادي بالنسبة لبعض المعتدين. لكن خلف كل شجرة مقطوعة قصة أكبر. قصة تتعلق بمن يراقب، ومن يتدخل، ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار، وما الذي يحدث عندما يصل البلاغ؟، بعد أن يكون المنشار قد توقف وغادر أصحابه المكان.

في «أم التوت»، لا تبدو حماية الأشجار مسألة مرتبطة بجهة واحدة، فهناك قوانين للأحراج والبيئة والمحميات، ومرجعيات تتصل بالأراضي واستعمالاتها والسلطات المحلية، فيما تبقى القدرة على ضبط من يقطع الأشجار، في لحظة ارتكاب المخالفة، تحديًا قائمًا.

في إطار التحديات البيئية والإنسانية غير المسبوقة، التي يمر بها قطاع غزة، ونظراً لتدهور قطاع المياه، واستمرار أعمال القصف من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، شاركت الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد» في أولى الندوات الافتراضية لمنصة «التعافي البيئي والمناخي»، ضمن فعاليات مشروع «تعزيز تأثير وأدوار القيادة للشباب الفلسطيني لأجل مجتمعات صامدة، خضراء وعادلة»، الذي ينفذه «مركز العمل التنموي معاً».
سلطت الندوة، التي عقدت يوم الأحد 20 سبتمبر 2026، الضوء على الواقع الكارثي للبنية التحتية المائية في قطاع غزة، بهدف تعزيز جهود المناصرة الدولية والإقليمية، وتبادل المعارف والخبرات، وبناء شبكات تعاون مستقبلية، تجمع الشباب الفلسطيني بالمنظمات والشبكات الدولية المعنية بالمناخ والبيئة.

أم التوت.. محمية على الورق وآثار القطع في الميدان

تقع محمية أم التوت في محافظة جنين، وتعد من المناطق الطبيعية التي تضم غطاءً نباتياً وحرجياً ضمن البيئة المتوسطية في فلسطين. وتشير البيانات المنشورة على منصة المحميات الطبيعية الفلسطينية إلى أن مساحة المحمية تبلغ نحو 363 دونمًا، فيما تتولى السلطة الفلسطينية إدارة نحو 320 دونماُ منها. وتضم المنطقة غطاءً نباتيًا وأشجارًا حرجية وموائل طبيعية ذات أهمية بيئية. لكن أهمية المكان كما تظهر في البيانات الرسمية لا تعكس وحدها ما يحدث على الأرض.

خلال زيارة ميدانية إلى المنطقة، وثقت معدة التحقيق آثار قطع للأشجار بالصور ومقاطع الفيديو. جذوع مقطوعة، وأجزاء من الغطاء النباتي تعرضت للتغيير، في مشاهد تثبت وجود ضرر ميداني، لكنها لا تحدد وحدها من قام بالقطع أو متى حدث.

وهنا بدأت أسئلة التحقيق: من يراقب المنطقة؟، ومن يتدخل عندما تحدث التعديات؟، وهل تكفي القوانين المتعددة القائمة لحماية المكان؟، وكان السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تنتهى عملية قطع الأشجار خلال ساعات محدودة بينما تتطلب إجراءات المتابعة وقتاً أطول؟

لم تبدأ قصة التحقيق من بيان رسمي، وإنما من الميدان. خلال زيارة ميدانية ظهرت آثار واضحة لقطع الأشجار، فيما بقيت الجذوع المقطوعة شاهدة على ما حدث. الجذع لا يخبر من أمسك المنشار، ولا يحدد بالضرورة تاريخ القطع، لكنه يكشف أن الضرر وقع، وأن الشجرة التي كانت جزءًا من الغطاء الحرجي، لم تعد موجودة.

وهنا تظهر إحدى المشكلات الأساسية في الرقابة البيئية: الجهات المختصة قد تصل إلى المكان بعد وقوع الفعل، فتجد آثاره، بينما يكون الشخص الذي نفذه قد غادر. وتختلف هذه الحالة عن المخالفات التي يمكن ضبطها في لحظة وقوعها؛ ففي قطع الأشجار، قد تكفي ساعات قليلة لإنهاء العمل ونقل الأخشاب من المكان.

لذلك، فإن وجود جذوع مقطوعة يمثل دليلًا على الضرر، لكنه لا يكفي وحده لتحديد المسؤولية الجنائية عن كل واقعة. وهذا يضع الرقابة أمام معادلة صعبة: هل تنتظر الجهات المختصة وصول البلاغ، أم تستطيع الوصول إلى المخالفة قبل اكتمالها؟

عندما يصبح التوثيق خطراً

لم تكن الأشجار وحدها هي التي دفعت ثمن هذه التعديات. الشاب أمير بني حسن حاول توثيق ما قال إنه عمليات لقطع الأشجار في محيط المحمية. وأرسل الصور ومقاطع الفيديو التي وثقها إلى معدة التحقيق، لتصبح جزءًا من المادة الميدانية التي اعتمد عليها التحقيق. لكن محاولة التوثيق لم تمر بسهولة.

بحسب إفادته، تعرض أمير للاعتداء والتهديد بالقتل بعد محاولته تصوير ما يجري، قبل أن يتوجه إلى الجهات المختصة ويقدم شكاوى بشأن ما تعرض له. وتظهر المواد التي أرسلها أمير جانباً من الواقعة، فيما تكشف شهادته أن الشخص الذي يحاول توثيق مخالفة بيئية قد يجد نفسه في مواجهة خطر شخصي.

ولا تتوقف أهمية هذه الواقعة عند الاعتداء نفسه. فسكان المناطق القريبة من الأحراج والمحميات غالبًا ما يكونون أول من يلاحظ دخول مركبات، أو يسمع أصوات المناشير، أو يشاهدون أعمال الحفر والتجريف وتغير شكل المكان. لكن إذا أصبح التصوير أو الإبلاغ سببًا للخوف من الاعتداء، فقد يتردد المواطنون في التبليغ مستقبلًا، وهو ما يعني فقدان واحدة من أهم وسائل الرقابة المجتمعية.

ولا تتوقف القيود عند حدود الخوف، إذ واجه التحقيق أيضًا صعوبة في الحصول على صور حديثة للمنطقة عبر الأقمار الصناعية، بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي على الوصول إلى المنطقة وتحديث بياناتها. وتعود أحدث نسخة متاحة لمحمية «أم التوت» إلى عام 2024، فيما تُحدّث بيانات الصور الفضائية للمنطقة، وفق المعلومات المتاحة للتحقيق، مرة كل أربع سنوات، ما يحول دون الاعتماد على صور حديثة لرصد التغيرات التي قد تكون طرأت على الغطاء الحرجي خلال الفترة الأخيرة.

بلاغات متكررة وضبط مناشير وأخشاب

تابعت معدّة التحقيق القضية مع العميد مجاهد ربايعة، مدير العلاقات العامة والإعلام في شرطة محافظة جنين، الذي أكد تلقي شكوى مرتبطة بالاعتداء الذي تعرض له أمير بني حسن، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمتابعة القضية. وعلى خلفية الاعتداء، نفذت الشرطة عمليات دهم لمنازل الأشخاص المشتبه بضلوعهم في الاعتداء، إلا أنها لم تجدهم داخل منازلهم وقت تنفيذ عمليات الدهم. وبحسب ما أفادت به الشرطة، جرى تعميم أسمائهم على الدوريات، بحيث يجري توقيفهم في حال رصدهم أو مرورهم أمام دوريات الشرطة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وتشير المعلومات التي حصل عليها التحقيق إلى أن الشرطة تتلقى ما معدله بلاغًا إلى بلاغين أسبوعيًا يتعلقان بقطع الأشجار في أحراش «أم التوت». وفي بعض الحالات، جرى ضبط مناشير ومصادرة كميات من الأخشاب المقطوعة، ما يعكس تكرار البلاغات المرتبطة بقطع الأشجار في المنطقة. لكن الوصول إلى مكان المخالفة لا يعني دائمًا ضبط من نفذها. فالشرطة تتحرك عند وصول البلاغ، إلا أن عملية القطع قد تكون انتهت قبل وصول القوة، وقد تكون الأخشاب نُقلت من الموقع، فيما يغادر الأشخاص الذين كانوا في المكان.

ولا تقتصر الصعوبات التي تواجه وصول الشرطة إلى موقع المخالفات على بُعد المنطقة، أو انتهاء عملية القطع قبل وصول القوة، إذ يشكّل الوضع الميداني في محافظة جنين، ولاسيما الإجراءات والقيود التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي، عقب حصار المخيم، عائقًا إضافيًا أمام حركة الدوريات، ووصولها إلى بعض المناطق في الوقت المناسب. ويؤثر ذلك في قدرة الشرطة على الاستجابة الفورية للبلاغات، خصوصًا عندما تكون المخالفة قد وقعت في مناطق يصعب الوصول إليها، أو تتطلب المرور عبر طرق تخضع لقيود ميدانية.

وبذلك، فإن وصول الشرطة بعد وقوع المخالفة لا يرتبط فقط بانتقال القوة من مركزها إلى موقع البلاغ، وإنما يتأثر أيضًا بالظروف الأمنية والميدانية المحيطة بمدينة جنين، ما يزيد من صعوبة ضبط المخالفين أثناء تنفيذ عمليات قطع الأشجار.

ولا تقتصر دوافع قطع الأشجار، وفق المعلومات التي تابعها التحقيق، على الحصول على الخشب للاستخدام الشخصي، إذ يستخدم خشب الصنوبر في إقامة العرائش ومنشآت المواشي، إلى جانب بيعه حطبًا. وهنا يظهر الفرق بين التعامل مع المخالفة بعد وقوعها وبين القدرة على منعها، أو ضبط مرتكبيها أثناء تنفيذها. وبينما اتخذت الشرطة إجراءات لملاحقة المشتبه بهم في الاعتداء على أمير بني حسن، بما في ذلك دهم منازلهم، وتعميم أسمائهم على الدوريات، تبقى حماية الأحراش من عمليات القطع المتكررة مرتبطة بقدرة الجهات المختصة على الوصول إلى المخالفين في الوقت المناسب.

وللتحقق من عدد البلاغات المتعلقة بقطع الأشجار، طلبت معدّة التحقيق من العميد مجاهد ربايعة تزويدها بتوثيقات رسمية لعدد البلاغات، إلى جانب صور للمناشير التي ضبطتها الشرطة، وكميات الحطب والأخشاب التي جرى مصادرتها. وأبدى مدير العلاقات العامة الإعلام بشرطة جنين تجاوباً مع الطلب، موضحاً أنه يحاول الحصول على البلاغات المطلوبة، كونها تعود إلى أوقات وأشهر متفرقة. وحتى تاريخ إعداد التحقيق، لم تحصل المعدّة على هذه التوثيقات.

ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا في حماية أحراش أم التوت: هل تكفي الاستجابة للبلاغات بعد وقوع المخالفة، أم تحتاج المنطقة إلى رقابة استباقية تمنع قطع الأشجار قبل حدوثه؟

الليل.. الوقت الذي يصعب فيه الوصول

تشير الشهادة والمعلومات التي تابعها التحقيق من الطواف المتواجد لحراسة المنطقة، إلى أن بعض عمليات التعدي على الأشجار يمكن أن تحدث في أوقات تقل فيها الرقابة، خصوصًا خلال ساعات الليل. في هذا الوقت، تنخفض حركة المواطنين وتقل أعداد الشهود، بينما تصبح الرؤية والوصول إلى بعض المناطق الحرجية أكثر صعوبة. وتوفر ساعات الليل عوامل قد تساعد المخالفين على إتمام عملية القطع ونقل الأخشاب، قبل وصول الجهات المختصة.

وتحدثت مصادر عن استخدام أدوات حديثة في عمليات القطع. لكن التحقيق لم يتمكن من توثيق جميع عمليات القطع أثناء تنفيذها، ولذلك لا ينسب مسؤولية عمليات محددة إلى أشخاص بعينهم دون أدلة قانونية. ما يمكن إثباته ميدانيًا هو وجود آثار للقطع، وما يمكن توثيقه من خلال البلاغات، هو تكرار الشكاوى، فيما تبقى مسؤولية تحديد مرتكبي كل واقعة من اختصاص الجهات القانونية المختصة.

الخبير في الشأن البيئي مفيد جلغوم، يؤكد أنه لا يمكن التعامل مع قطع الأشجار باعتباره إزالة لشجرة واحدة من مكانها فقط. فالشجرة جزء من نظام بيئي متكامل، يضم التربة والمياه والغطاء النباتي والكائنات الحية والموائل الطبيعية. ويمكن أن تؤثر أعمال قطع الأشجار أو التجريف في التربة، وتغير خصائص سطح الأرض، خصوصًا في المناطق التي تكون تربتها حساسة أو محدودة العمق.

وبحسب «جلغوم» لا ينتهي الأثر عند فقدان الشجرة نفسها، إذ يمكن أن يؤدي تراجع الغطاء النباتي إلى زيادة تعرض التربة للانجراف، وفقدان بعض موائل الكائنات الحية، وتراجع التنوع الحيوي، وتغير خصائص الموقع، إضافة إلى إضعاف قدرة النظام البيئي على التعافي.

ويشدد الخبير البيئي على أن أي نشاط يمكن أن يؤدي إلى تغيير جوهري في طبيعة منطقة حساسة بيئيًا، يحتاج إلى دراسة مسبقة لتأثيراته، وألا يُنظر إليه فقط من زاوية الجدوى الاقتصادية، أو طبيعة ملكية الأرض. فيما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» أهمية الغابات والغطاء النباتي في حماية التربة والمياه، والحفاظ على التنوع الحيوي، وتعزيز قدرة الأنظمة الطبيعية على مواجهة آثار التغيرات المناخية.

شجرة واحدة أقل.. نظام بيئي أكثر هشاشة

تكمن أهمية الغطاء الحرجي في «أم التوت» في أنه لا يعمل بمعزل عن البيئة المحيطة. فالأشجار تساعد في تثبيت التربة، وتوفر موائل للكائنات الحية، وتدعم التنوع الحيوي والتوازن البيئي. ولهذا، فإن خسارة الأشجار لا تعني فقط تغير شكل المكان، وإنما قد تكون لها آثار متراكمة على البيئة، خصوصًا إذا تكررت عمليات القطع وأضيف إليها التجريف أو الحفر أو تغيير استخدامات الأرض.

وفي المناطق الطبيعية، قد يحتاج الغطاء النباتي إلى سنوات حتى يستعيد جزءًا من حالته، بينما يمكن أن يحدث الضرر خلال فترة زمنية قصيرة. ومن هنا تتحول عملية قطع الأشجار من واقعة فردية إلى قضية بيئية ومناخية عندما تتكرر وتؤثر في قدرة النظام الطبيعي على الاستمرار.

تدخل المحامية والمستشارة القانونية، كلير ريناوي، إلى التحقيق من زاوية مختلفة: «القانون موجود، لكن الأرض قد تخضع لأكثر من مرجعية في الوقت نفسه». وتوضح أن الأراضي التي تتمتع بصفة حرجية، أو تقع داخل محمية طبيعية، تخضع لتداخل عدة منظومات قانونية وإدارية.

من بين هذه المنظومات قوانين حماية البيئة، وقوانين الزراعة والأحراج، وقوانين المحميات الطبيعية، وقوانين تنظيم استعمالات الأراضي، وصلاحيات الهيئات المحلية، وصلاحيات سلطة الأراضي، وقوانين التسوية والتسجيل العقاري.

وبحسب «ريناوي»، فإن طبيعة الأرض وتصنيفها وموقعها تحدد جانبًا من الإجراءات والجهات صاحبة الاختصاص. فإذا كانت الأرض داخل محمية طبيعية أو تخضع لتصنيف بيئي خاص، فإن الأنشطة التي يمكن تنفيذها فيها تصبح خاضعة لقيود وشروط إضافية.

استخدام الأرض لا يعني تغيير طبيعتها

توضح الخبيرة القانونية أن وجود حق في استخدام الأرض، أو أي اتفاق بشأنها، لا يعني بالضرورة السماح بتغيير طبيعتها بما يخالف تصنيفها القانوني والبيئي. وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تكون الأرض مصنفة كأرض حرجية أو تقع ضمن منطقة ذات قيمة بيئية. وتشمل الأنشطة التي قد تحتاج إلى موافقات وإجراءات بحسب طبيعة الموقع والعمل: الإنشاءات، والتجريف، وشق الطرق، وقطع الأشجار، وتغيير طبيعة الأرض أو استخداماتها.

وبحسب «ريناوي»، قد تتطلب بعض الأنشطة موافقات من وزارة الزراعة، وسلطة جودة البيئة، والهيئات المحلية والجهات التنظيمية المختصة، إضافة إلى الالتزام بالتصنيف التنظيمي للأرض والحصول على التراخيص اللازمة وإجراء دراسة أثر بيئي عندما تكون مطلوبة. وتؤكد أن تنفيذ أعمال تؤدي إلى تغيير طبيعة الأرض الحرجية أو الإضرار بغطائها النباتي دون الالتزام بالإجراءات والموافقات المطلوبة قد يشكل مخالفة قانونية.

لا تقتصر المخاطر على قطع الأشجار. فأي أعمال حفر أو تجريف داخل منطقة ذات حساسية بيئية، يمكن أن تؤثر في الغطاء النباتي والتربة وطبيعة الموقع. وتوضح «ريناوي» أن المسؤوليات القانونية والبيئية المحتملة في مثل هذه الحالات قد تشمل: الإضرار بالأشجار والغطاء النباتي، والإضرار بالبيئة والتنوع الحيوي، ومخالفة شروط استعمالات الأراضي، وتغيير طبيعة الموقع دون الحصول على الموافقات المطلوبة.

وقد تشمل الإجراءات، بحسب طبيعة الواقعة وتكييفها القانوني، وقف الأعمال، وفرض غرامات، واتخاذ إجراءات إدارية، أو الإحالة إلى النيابة العامة عند وجود شبهة مخالفة تستوجب ذلك. وهنا تظهر نتيجة مهمة في التحقيق: المشكلة لا تبدو مرتبطة بالضرورة بغياب القوانين، وإنما بتعدد القوانين والجهات التي تتقاطع مسؤولياتها في حماية المكان.

الجهات متعددة.. والمحمية واحدة

في «أم التوت»، لا توجد جهة واحدة تحمل كل ملفات الحماية. فبحسب الخبيرة القانونية، تتقاطع في هذا الملف صلاحيات جهات عدة، من بينها وزارة الزراعة، وسلطة جودة البيئة، والهيئات المحلية، والجهات التنظيمية المختصة. ويطرح هذا التداخل أسئلة عملية: من يراقب؟ ومن يوثق؟ ومن يتلقى البلاغ؟ ومن يوقف المخالفة؟ ومن يتابع الملف قانونيًا بعد ضبطها؟

قد لا تكون المشكلة في عدم وجود جهة مختصة، وإنما في أن كل جهة تمتلك جزءًا من المسؤولية. وفي الحالات التي تتطلب تدخلًا سريعًا، يمكن أن يتحول هذا التوزع إلى تحدٍ عملي، خصوصًا عندما تحدث المخالفة في ساعات قليلة، وتحتاج الجهات إلى التنسيق للوصول إلى الموقع واتخاذ الإجراءات. وتشير «ريناوي» إلى أن وضوح حدود المنطقة، وتصنيفها، والجهات صاحبة الاختصاص، يمثل عاملًا أساسيًا في تحديد المسؤولية وآليات التدخل عند وقوع أي تعدٍ.

تثير قضية «أم التوت» سؤالًا آخر يتعلق بمدى وضوح وتحديث المعلومات الرسمية الخاصة بالمنطقة. فمعرفة حدود المحمية، وتصنيف الأرض، والجهة المسؤولة عن كل جزء، والإجراءات التي يجب اتباعها عند وقوع مخالفة، كلها معلومات أساسية لأي عملية رقابة. وغياب قاعدة موحدة ومحدثة تجمع هذه البيانات، يمكن أن يجعل عملية تحديد المسؤولية أكثر تعقيدًا.

حماية الأشجار لا تبدأ عند وصول الشرطة إلى موقع القطع، بل تبدأ أيضًا من وجود خرائط واضحة، وحدود معروفة، وتصنيف محدد، وجهة مسؤولة يمكن الرجوع إليها فورًا. كلما كانت المعلومات أكثر وضوحًا وتحديثًا، أصبح من الأسهل التعامل مع المخالفة، والاستجابة لها في الوقت المناسب.

ينص قانون البيئة الفلسطيني رقم 7 لسنة 1999 على أحكام ومبادئ تتعلق بحماية البيئة والموارد الطبيعية والمناطق ذات الأهمية البيئية، وتنظيم الأنشطة التي يمكن أن تؤثر في البيئة، إضافة إلى أحكام مرتبطة بتقييم الأثر البيئي لبعض المشاريع والأنشطة. وتشير مراجعة القانون، إلى جانب إفادة المستشارة القانونية، إلى أن حماية منطقة مثل «أم التوت»، قد تتطلب تطبيق أكثر من منظومة قانونية وتنظيمية في الوقت نفسه.

وهذا ينقل السؤال من: هل يوجد قانون يحمي المنطقة؟ إلى أسئلة أكثر ارتباطًا بالواقع: من يطبق القانون؟، ومن يملك صلاحية التدخل؟، ومن يتولى المتابعة عندما تقع المخالفة؟

من قضية أشجار إلى أزمة مناخ

قد يبدو قطع الأشجار في البداية قضية محلية محدودة، لكن أثره يتجاوز حدود الشجرة المقطوعة. فالغطاء النباتي يساهم في حماية التربة، وتوفير الموائل، والحفاظ على التنوع الحيوي، ودعم التوازن البيئي، وتعزيز قدرة الأنظمة الطبيعية على مواجهة الضغوط المناخية. ولهذا، فإن تكرار قطع الأشجار داخل منطقة طبيعية، يضعف أحد عناصر الحماية الطبيعية للمكان.

ومع فقدان الأشجار، قد تصبح التربة أكثر عرضة للتعرية، وتتأثر بعض الموائل، ويتراجع التنوع الحيوي، بينما يحتاج النظام البيئي إلى وقت لاستعادة ما فقده. من هذه الزاوية، تصبح حماية أم التوت جزءًا من الاستجابة لقضايا البيئة والمناخ، وليست مجرد مسألة تتعلق بقطع الأشجار بصورة منفردة.

خلال إعداد التحقيق، ظهرت معلومات وروايات متباينة حول حجم وطبيعة ما يحدث في المنطقة. وتواصلت معدة التحقيق مع مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه بسبب حساسية موقعه الوظيفي ومكانته، وقدم رواية حول ما يجري في المنطقة. لكن بعض المعلومات التي قدمها المصدر، اختلفت في جوانب منها عن الشهادات الميدانية والمعلومات التي جمعتها معدة التحقيق من مصادر أخرى.

لذلك، لم يعتمد التحقيق على المصدر الأمني وحده، وإنما تعامل مع إفادته باعتبارها رواية ضمن مجموعة من الروايات، وقارنها بالمعاينة الميدانية والشهادات والمعلومات الرسمية. وهذا مهم في التحقيقات المتعلقة بقضايا حساسة؛ فالمصدر الرسمي لا يلغي الحاجة إلى التحقق المستقل، كما أن وجود آثار للقطع لا يعني تلقائيًا معرفة هوية من قام به. ما يمكن وضعه بثقة أمام القارئ هو ما جرى توثيقه: آثار قطع في الميدان، بلاغات وشكاوى، شهادات، وإفادات من جهات رسمية ومختصين.

جودة البيئة: لم نرصد تنقيبًا حديثًا

تقول مديرة سلطة جودة البيئة في جنين، لمى جراد، إن بعض القضايا المرتبطة بمحمية أم التوت، وبحسب جراد، لم ترصد سلطة جودة البيئة خلال زياراتها الميدانية عمليات حفر أو قطع أشجار داخل المحمية. وقد شارك في الجولات الميدانية ممثلون عن عدة جهات، بينها وزارة الزراعة ووزارة السياحة والآثار والحكم المحلي.

تقول «جراد» إن أبرز التعديات، التي رصدتها سلطة جودة البيئة داخل المحمية، تمثلت في إلقاء النفايات، مشيرةً إلى أن بعض الأشخاص يستخدمون المنطقة للتخلص من مخلفاتهم، لكن لم يتم ضبطهم. وتوضح أن تنظيم ضبط رسمي يتطلب وجود المعتدي أثناء تنفيذ المخالفة، أو توفر معلومات دقيقة، مثل تصوير المركبة، أو رقم لوحة السيارة. ولذلك، جرى التنسيق مع رئيس المجلس المحلي والطواف الحراجي، التابع لوزارة الزراعة، من أجل توثيق أي مخالفات مستقبلية.

وتقول إن المواطنين الذين يشاهدون اعتداءات داخل المحمية، يستطيعون التواصل مع الشرطة، باعتبارها الجهة الأسرع في التعامل مع المخالفات، وإعداد محضر الضبط. أما الجهات البيئية والزراعية، فتقدم التقارير الفنية التي تحدد نوع الأشجار أو النباتات المتضررة، وتصنيفها، وحجم الضرر، والمساحة المتأثرة، ومدى مخالفة الفعل لقوانين البيئة أو الزراعة.

تؤكد «جراد» أن محمية «أم التوت» لم تشهد، منذ توليها إدارة سلطة جودة البيئة في جنين عام 2022، أي ضبط رسمي لمخالفة داخل المحمية. ورغم وجود ملاحظات بشأن النفايات، أو التوسع داخل حدود المحمية، فإن هذه الحالات لم تتحول إلى عمليات ضبط قانونية، بسبب عدم ضبط المخالفين أثناء ارتكاب الفعل. ويعني ذلك أن عدم وجود ضبطيات رسمية لا يعني بالضرورة عدم وجود مخالفات، بل قد يعكس صعوبة رصد المعتدي وتوثيق الفعل بما يكفي، لتحويله إلى ملف قانوني.

حدود مثبتة في الأوراق وغير واضحة على الأرض

في عام 2023، شُكلت لجنة مشتركة ضمت سلطة جودة البيئة ووزارة الزراعة ووزارة السياحة والآثار والحكم المحلي ومؤسسات مجتمعية، بهدف تحديد حدود محمية أم التوت ومساراتها بصورة دقيقة. وتقول «جراد» إن الحدود كانت مثبتة رسميًا، لكنها لم تكن واضحة على أرض الواقع. وأظهرت أعمال اللجنة الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للمحمية.

وتمت الموافقة على مجموعة من المشروعات، من بينها إنشاء كوخ بيئي، ووضع إشارات للمسارات، وتركيب لوحات إرشادية، وإنشاء درج وسياج خشبي في المناطق الوعرة. لكن التنفيذ اقتصر حتى الآن على إنشاء الكوخ البيئي، بينما بقيت بقية المشروعات دون تنفيذ، رغم مرور نحو عام ونصف على الموافقة عليها. وتقول «جراد» إنها خاطبت الإدارة العامة في الوزارة لمتابعة تنفيذ المشروعات، لأن تنفيذها يتم مركزيًا، وليس من خلال مكتب جنين.

تواجه سلطة جودة البيئة في جنين صعوبات في تنفيذ الزيارات الدورية للمحمية. وتشير «جراد» إلى نقص المركبات وتعطل وسائل النقل، إضافة إلى الأوضاع الأمنية. وتقول إن آخر الزيارات للمحمية تمت خلال شهري مارس وأبريل، بينما ارتبطت بعض الجولات اللاحقة بمسارات أو أنشطة داخل المنطقة.

كما تؤكد عدم وجود دراسة متخصصة تقيس حجم التدهور البيئي في محمية أم التوت. وتوضح أن إعداد مثل هذه الدراسات يدخل ضمن اختصاص الإدارة العامة للمصادر البيئية في الوزارة، التي تمتلك الكادر الفني اللازم. ويحتاج تقييم التدهور إلى قرار مركزي وتنفيذ مسح فني شامل للمحمية. وهكذا، لا توجد حتى الآن بيانات كمية واضحة تقيس حجم فقدان الغطاء النباتي أو أثر النفايات والمنشآت والحركة البشرية على المحمية.

تؤكد مديرة سلطة جودة البيئة في جنين أن حماية المحميات الطبيعية ليست مسؤولية جهة واحدة. فإدارة المحميات ترتبط بوزارة الزراعة، بينما تتبع المواقع الأثرية لوزارة السياحة والآثار، وتشارك سلطة جودة البيئة ضمن اختصاصها البيئي، كما تملك وزارة الحكم المحلي والهيئات المحلية معلومات وصلاحيات مرتبطة بالحدود والتنظيم.

ويؤدي تعدد الجهات إلى تحديات في سرعة الاستجابة، خصوصًا عندما تحتاج المخالفة إلى تنسيق بين أكثر من مؤسسة. وتظهر المشكلة ذاتها في منطقة الجنات؛ فالأوقاف تدير المال الوقفي وتبرم العقود، والبلدية تراقب التنظيم والبناء وحرم الطريق، والزراعة تحدد ما إذا كانت الأرض حرجية، وسلطة الأراضي ودائرة الأملاك معنيتان بأراضي الدولة والتسجيل، فيما قد تدخل السياحة والآثار في المواقع المرتبطة بسكة الحديد.

لكن تعدد الجهات لا يعني وضوح المسؤولية. فعندما تظهر منشأة متجاوزة، قد تقول الأوقاف إن مسؤوليتها تنتهي عند حدود العقد، فيما ترى البلدية أن الموقع يحتاج إلى ترخيص أو أنه اعتدى على حرم الطريق، وتؤكد الزراعة أن الأرض ليست حرجية، بينما يتطلب إثبات الحدود العودة إلى خرائط ووثائق لا تكون متاحة دائمًا.

وزارة الزراعة: رقابة فنية وصلاحيات محدودة

يقول مصطفى عمارنة إن وزارة الزراعة لم تسجل خلال الفترة الماضية اعتداءات تُذكر على الأراضي الحرجية داخل محمية أم التوت. ويرى أن الإشكالية الأساسية ترتبط بالأعمال التي قد تجري داخل أراضٍ خاصة تقع ضمن الحدود الأوسع للمحمية. غير أن دور وزارة الزراعة، بحسب عمارنة، يبقى رقابيًا وفنيًا؛ فهي توثق المخالفة وتعد التقارير وتحيلها إلى الجهات المختصة، لكنها لا تملك صلاحيات تنفيذية أو أمنية لإحضار المعتدي أو تنفيذ الأحكام.

ويشير إلى أن الظروف الأمنية تعيق العمل الميداني، وأن اعتداءات قطع الأشجار تحدث غالبًا ليلًا باستخدام مناشير تعمل بالبطاريات، وقد يصعب ضبط مرتكبيها. كما أن التنسيق مع الأجهزة الأمنية يتأثر بالوضع الميداني، رغم وجود تعاون أفضل مع الشرطة السياحية في بعض الحالات. ويضيف أن بعض المعتدين قد يكونون مرتبطين بجهات أمنية أو يصعب إحضارهم بعد إحالة ملفاتهم إلى النيابة، لأن صلاحية الجلب ليست من اختصاص وزارة الزراعة.

يرى «عمارنة» أن أحد أبرز التحديات في حماية الأحراج يتمثل في ضعف الأحكام القضائية وطول أمد القضايا. ويقول إن الوزارة تضبط المخالفات وتحيلها، لكن الأحكام النهائية قد تكون بسيطة مقارنة بحجم الضرر. ويذكر مثالًا عن شخص ضُبط وهو يسرق حمولة حطب، فكانت العقوبة غرامة قدرها خمسون دينارًا، إلى جانب مصادرة الحطب. ويرى أن عقوبة بهذا الحجم لا تمنع تكرار الاعتداء.

ويضيف أن غالبية الاعتداءات تتمثل في قطع أشجار الصنوبر لاستخدامها في إقامة عرائش أو منشآت لتربية المواشي، وهو ما يؤدي إلى فقدان أعداد كبيرة من الأشجار. كما أشار إلى وفاة شخص في منطقة دير أبو ضعيف قبل نحو عامين، بعدما سقطت عليه شجرة أثناء قيامه بقطعها ليلًا. ويقول إن ضعف الردع يسبب إحباطًا للعاملين في حماية الأحراج، لأنهم يبذلون جهدًا في المراقبة والتوثيق والإحالة، ثم يعود بعض المعتدين إلى المخالفة نتيجة بساطة العقوبات.

النتائج: ماذا كشف التحقيق؟

بعد جمع الشهادات والمعاينة الميدانية ومراجعة الإفادات القانونية والبيئية والرسمية، توصل التحقيق إلى عدد من النتائج، لعل أبرزها توثيق أثار قطع الأشجار ميدانياً، وأن قطع الأشجار يتكرر في المنطقة، إذ تشير المعلومات التي حصل عليها التحقيق، إلى تلقي الشرطة بلاغًا إلى بلاغين أسبوعيًا، يتعلقان بقطع الأشجار، مع ضبط مناشير ومصادرة كميات من الأخشاب في بعض الحالات.

ومن النتائج التي توصل إليها التحقيق أيضاً أن استخدام الأخشاب لا يقتصر على الاحتياجات الشخصية، بل تستخدم في إقامة العرائش ومنشآت المواشي، إلى جانب بيعها حطبًا، ورغم أن وجود جذوع مقطوعة يثبت وقوع الضرر، لكنه لا يحدد بالضرورة هوية من نفذ القطع، إذا لم يتم ضبطه أثناء ارتكاب المخالفة.

ولعل اللافت في النتائج أن التوثيق قد يعرض المواطنين للخطر، وتظهر قضية أمير بني حسن، الذي وثق ما قال إنه عمليات قطع، وتعرض للاعتداء والتهديد، الحاجة إلى حماية الأشخاص الذين يبلغون عن المخالفات البيئية. كما يخلص التحقيق إلى أن الضرر يتجاوز الأشجار، ويمكن أن يمتد أثر القطع والتجريف إلى التربة والموائل الطبيعية والتنوع الحيوي، وقدرة النظام البيئي على التعافي. كما أن تعدد الجهات المعنية بحماية المنطقة، التي تتقاطع صلاحياتها، يجعل التنسيق وسرعة الاستجابة عاملين أساسيين.

التوصيات: كيف يمكن حماية «أم التوت»؟

تخلص معدة التحقيق إلى مجموعة من التوصيات، منها إنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة، تجمع حدود المحمية، والتصنيفات القانونية، والخرائط، ومواقع الغطاء النباتي، والجهات المسؤولة عن الرقابة والحماية. وتشكيل آلية استجابة مشتركة، من خلال وضع بروتوكول واضح بين الجهات ذات العلاقة، للتعامل مع بلاغات قطع الأشجار والتجريف والتعديات البيئية، بما يضمن سرعة الوصول إلى الموقع.

وتتضمن التوصيات تعزيز الرقابة الميدانية، خصوصًا في المناطق التي تتكرر فيها البلاغات، وعدم الاعتماد على البلاغات بعد وقوع الضرر فقط. واستخدام التكنولوجيا في المراقبة، مثل الكاميرات الليلية، وحساسات الحركة، والخرائط الرقمية، وأدوات الرصد الجغرافي، بما يساعد في توثيق التغيرات، ومراقبة المناطق التي يصعب الوصول إليها باستمرار. بالإضافة إلى توفير الحماية للمبلغين والموثقين، والتعامل الجاد والسريع مع أي اعتداء أو تهديد يطال الأشخاص الذين يبلغون عن المخالفات البيئية، حتى لا يتحول الخوف إلى سبب لإحجام المواطنين عن التبليغ.

ويوصي التحقيق بإجراء مسح دوري للغطاء النباتي، من خلال مقارنة حالة الأشجار والغطاء النباتي بصورة دورية يمكن أن تساعد في اكتشاف التغيرات وتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للقطع أو التجريف. وتطبيق الموافقات البيئية والتنظيمية، وعدم السماح بتنفيذ أعمال يمكن أن تغير طبيعة الأرض، أو تؤثر في الأشجار والغطاء النباتي، دون استيفاء الموافقات والتراخيص المطلوبة.

في «أم التوت»، لا تبدأ القصة عند صوت المنشار، ولا تنتهي عند جذع شجرة مقطوعة. خلف كل شجرة اختفت من مكانها، أسئلة عن البيئة والقانون والرقابة والجهة المسؤولة. بدأت الحكاية بالنسبة لـ«أحمد»، من طفولة قضاها بين أشجار الصنوبر، لكنها بالنسبة إلى سكان المنطقة اليوم، أصبحت مرتبطة بمشهد مختلف: أشجار تُقطع، وأخشاب تُستخدم أو تُباع حطبًا، وبلاغات تصل إلى الشرطة، ومواطن يحاول التوثيق فيتعرض للاعتداء.

تكشف «أم التوت» أن وجود القانون لا يعني بالضرورة أن الضرر لن يحدث. فالشجرة قد تُقطع خلال دقائق، بينما تحتاج عملية البلاغ والوصول والتوثيق والمتابعة إلى وقت وتنسيق بين أكثر من جهة. ولهذا، فإن السؤال الذي يتركه التحقيق ليس فقط: من قطع الشجرة؟ بل أيضًا: من كان يفترض أن يراقب؟ ومن يستطيع الوصول قبل أن تنتهي عملية القطع؟ وإذا كانت مسؤولية حماية «أم التوت» موزعة بين أكثر من جهة، فمن المسؤول فعليًا عندما تبدأ الأشجار بالسقوط؟

هذه القصة أنتجت ضمن مشروع تخرج من مدرسة المناخ ومجتمع التحقق العربي لنيل درجة دبلوم صحافة المناخ

.