تتصاعد الضغوط البيئية على البحر المتوسط بفعل تفاقم مشكلة النفايات البحرية، التي لم تعد تهدد الشواطئ والمناطق الساحلية فحسب، بل تمتد آثارها إلى النظم البيئية البحرية، ومصايد الأسماك والسياحة والأمن الغذائي وسبل معيشة ملايين السكان في المجتمعات الساحلية.
وفي هذا السياق، برز النشاط الإقليمي الذي نفذه مشروع «دعم المياه والبيئة – التنوع البيولوجي والعمل المناخي» (WES-BCA)، تحت عنوان «المساهمة في برامج الرصد والإبلاغ المتوسطية للوقاية من النفايات البحرية والحد من آثارها»، كخطوة لتعزيز قدرة دول جنوب المتوسط على رصد النفايات البحرية والإبلاغ عنها، وتحويل البيانات البيئية إلى أداة أكثر فاعلية في دعم السياسات والقرارات.
وأظهرت مخرجات النشاط أن النفايات البحرية، ولاسيما البلاستيكية والمنتجات أحادية الاستخدام، تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على البيئة المتوسطية، بما تسببه من أضرار للكائنات والموائل البحرية، فضلًا عن تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم وجود برامج إقليمية للرصد في إطار برنامج الأمم المتحدة للبيئة/خطة عمل المتوسط (UNEP/MAP)، والاتحاد الأوروبي، لا تزال عملية تقييم النفايات البحرية تواجه تحديات تتعلق بنقص البيانات الخاصة بالكميات والأنواع والمصادر والتأثيرات، إلى جانب تفاوت المنهجيات ووجود فجوات في الإرشادات وضمان الجودة، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية.
استهدف النشاط دعم الدول الشريكة في تنفيذ برامج أكثر كفاءة لرصد النفايات البحرية والإبلاغ عنها، بما يتوافق مع الخطة الإقليمية لإدارة النفايات البحرية في إطار اتفاقية برشلونة، إلى جانب توسيع تطبيق منهجيات الرصد على مختلف المكونات والمصفوفات البحرية.
وشكلت الندوة الإقليمية التي عقدت في فبراير 2026 محطة رئيسية في تنفيذ النشاط، بمشاركة ممثلين عن الدول الشريكة الثماني، إلى جانب مؤسسات حكومية ومنظمات إقليمية وأوساط أكاديمية ومنظمات مجتمع مدني وقطاع خاص.
وناقشت الندوة السياسات والأطر التنظيمية، والخبرات الوطنية والإقليمية، وأفضل الممارسات، فضلًا عن إدارة البيانات والإبلاغ عنها، بما أتاح تبادل الخبرات ومناقشة التحديات الفنية والمؤسسية التي تواجه عمليات الرصد.
وأكدت نتائج النشاط أن تحسين جودة البيانات وتوحيد منهجيات جمعها وتحليلها يمثل شرطًا أساسيًا للانتقال من مجرد رصد حجم المشكلة إلى بناء سياسات أكثر فاعلية للوقاية من النفايات البحرية والحد من آثارها.
كما دعمت المناقشات تطبيق بروتوكولات رصد النفايات البحرية التابعة لبرنامج الرصد والتقييم المتكامل للبحر المتوسط (IMAP)، مع التأكيد على ضرورة مواءمة البيانات وضمان جودتها وربط نتائج الرصد بصورة مباشرة بعمليات صنع القرار.
وفي المقابل، كشفت المناقشات عن استمرار الحاجة إلى رفع القدرات الفنية، وتوحيد منهجيات الرصد، وتعزيز التنسيق بين أصحاب المصلحة، فضلًا عن ضرورة تحسين دمج البيانات الوطنية ضمن منظومة IMAP الإقليمية، خاصة في الحالات التي لا تستوفي فيها البيانات المتاحة المعايير المعتمدة.
ويُتوج النشاط بإعداد تقرير تقييمي إقليمي يجمع نتائج التقييم ومخرجات الندوة ورؤى المشاركين والخبراء، بهدف تقديم صورة أكثر شمولًا عن الممارسات الحالية في مجال رصد النفايات البحرية والإبلاغ عنها، وصياغة توصيات عملية لتطوير أنظمة الرصد وتحسين عملية صنع القرار.
ويعكس النشاط توجهًا متزايدًا في منطقة المتوسط نحو بناء منظومة إقليمية أكثر تكاملًا، تقوم على المعرفة والبيانات والتعاون وتبادل الخبرات، بما يعزز قدرة الدول على مواجهة التلوث البحري وتحويل الرصد البيئي من عملية لجمع المعلومات إلى أداة مؤثرة في صياغة السياسات وحماية الموارد الطبيعية.
يجري تنفيذ مشروع «دعم المياه والبيئة – التنوع البيولوجي والعمل المناخي»، عبر تحالف إقليمي يضم الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، وعددًا من المؤسسات والمنظمات المتوسطية، ويستهدف دعم حماية البيئة والتنوع البيولوجي، والإدارة المستدامة للموارد المائية، وتعزيز التكيف مع تغير المناخ، ودعم السياسات البيئية في إطار التعاون المتوسطي.