** دكتور رأفت ميساك
يُعرّف التصحر، وفقًا للمادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والتخفيف من الجفاف لعام 1994، بأنه «تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة نتيجة عوامل مختلفة، من بينها التغيرات المناخية والأنشطة البشرية». أما الجفاف، فقد عرّفته الاتفاقية بأنه «ظاهرة طبيعية تحدث عندما يقل متوسط سقوط الأمطار كثيرًا عن المستويات المعتادة، مما يؤدي إلى اختلال هيدرولوجي خطير يؤثر تأثيرًا سلبياً على نظم الإنتاج».
وتنص المادة (10) من الاتفاقية على التزام الدول الأطراف بإعداد برامج عمل وطنية تهدف إلى التعرف على العوامل التي تسهم في التصحر، وتحديد التدابير العملية الضرورية لمكافحته، وتخفيف آثار الجفاف. كما تُحدد هذه البرامج أدوار الحكومات، والمجتمعات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، بالإضافة إلى تحديد الموارد المتاحة والجداول الزمنية للتنفيذ.
وعند الحديث عن تجارب الدول في مكافحة التصحر والصمود أمام الجفاف، تبرز التجربة المصرية باعتبارها من أقدم وأعرق التجارب على مستوى البشرية جمعاء. فقد أنشأ المصريون القدماء أول سد لحجز مياه الأمطار والسيول في العالم، وهو «سد الكفرة»، الذي تم بناؤه عام 2600 قبل الميلاد، جنوب شرق مدينة حلوان، كما يُعد النبي يوسف، عليه السلام، صاحب أول خطة تنفيذية لمواجهة الجفاف وتأمين الغذاء، حيث أشرف على تكثيف زراعة القمح خلال سبع سنوات «سمان»، ثم حصده وتخزينه بطرق مبتكرة، لاستغلاله خلال السنوات «العجاف».
وتُعتبر قناة «بحر يوسف»، التي تربط بين نهر النيل، وبحيرة قارون في صحراء مصر الغربية، من أقدم القنوات التي نقلت المياه العذبة إلى قلب الصحراء. أما أقدم سد لحجز مياه فيضان النيل فهو «سد اللاهون» بمحافظة الفيوم، الذي شُيد في عهد الملك أمنمحُات الأول، من الأسرة الثانية عشرة، والذي اشتهر بمقولته التاريخية: «لا جائع في عهدي، ولا ظمآن تحت سلطاني».
كذلك، فإن الاستغلال الأمثل لمياه الأمطار والسيول في الساحل الشمالي الغربي لمصر، الذي كان يُعد سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية، يُعد من أعرق التجارب في مواجهة الجفاف وتأمين الأمن الغذائي. وقد صدّقت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والتخفيف من الجفاف عام 1995 بموجب القرار الجمهوري رقم 155. ومنذ ذلك الحين، حرصت الدولة المصرية على المشاركة الفعالة في مؤتمرات الأطراف في الاتفاقية، وكان آخرها مؤتمر الأطراف السابع عشر (17COP)، الذي عُقد في منغوليا في الفترة من 17 إلى 28 أغسطس 2026، تحت شعار «استعادة الأرض استعادة الأمل». ويمثل «مركز بحوث الصحراء» نقطة الارتباط الوطنية بين مصر والأمانة العامة للاتفاقية.
وفي إطار تحقيق الهدف الخامس عشر من أهداف التنمية المستدامة «الحياة في البر»، تلتزم الدول بالعمل على تحييد تدهور الأراضي بحلول عام 2030. ويتحقق ذلك من خلال تنفيذ برامج عملية تسهم في تحسين حالة الغطاء النباتي، وتعزيز التنوع البيولوجي، ووقاية التربة من الانجراف الريحي والمائي. ومن شأن هذه الجهود أن تعزز الأمن الغذائي، وتحمي النظم البيئية الهشة، وتدعم التنمية المستدامة في المجتمعات الريفية المتأثرة بالتصحر والجفاف.
الاطار الاستراتيجي لمكافحة التصحر بمصر
يتكون الاطار الاستراتيجي لمكافحة التصحر من خمسة اهداف استراتيجية:
الهدف الاستراتيجي 1: تحسين حالة النظم الايكولوجية المتأثرة ، ومكافحة التصحر/ تدهور الأراضي ، وتعزيز الإدارة المستدامة للأراضي، والإسهام في تحييد تدهور الأراضي.
الهدف الاستراتيجي 2: تحسين ظروف معيشة السكان المتأثرين.
الهدف الاستراتيجي 3: تخفيف أثار الجفاف والتكيف معها واداراتها من أجل تحسين قدرة السكان المتأثرين والنظم الأيكولوجية على التأقلم.
الهدف الاستراتيجي 4: درّ منافع بيئية على الصعيد العالمي، عن طريق تنفيذ اتفاقية مكافحة التصحر بفاعلية.
الهدف الاستراتيجي 5: تعبئة موارد مالية وغير مالية كبيرة وإضافية، لدعم تنفيذ الاتفاقية، من خلال بناء شراكات فعالة على المستويين العالمي والوطني.
** د. رأفت فهمي ميساك أستاذ بمركز بحوث الصحراء