أولان باتور، منغوليا – خاص لـ«جسور 2030»
في وقت تشير التقديرات إلى أن ثلاثة من كل أربعة أشخاص حول العالم، قد يواجهون مخاطر الجفاف بحلول عام 2050، يخطو مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر «(COP-17)، المنعقد حالياً في العاصمة المنغولية «أولان باتور»، خطوة جديدة نحو إعادة صياغة الاستجابة العالمية لهذه الأزمة، عبر بناء منظومة متكاملة، تجمع بين التمويل والقياس والتنفيذ، وتنقل التعامل مع الجفاف من مرحلة الاستجابة للأزمات، إلى الاستثمار المبكر في الوقاية، وتعزيز القدرة على الصمود.
وتعكس المبادرات، التي شهدها المؤتمر، تحولًا في النظرة الدولية إلى الجفاف، الذي لم يعد تحديًا بيئيًا منفردًا، بل خطرًا متشابكًا، يمتد تأثيره إلى الأمن المائي والغذائي والاقتصادات والمجتمعات والنظم البيئية، بما يتطلب خطط إدارة أكثر فاعلية، واستثمارات استباقية، وتنسيقًا دوليًا يحول دون تفاقم موجات الجفاف إلى أزمات واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة ياسمين فؤاد، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، أن مؤتمر (COP-17) يستهدف تحويل الالتزامات إلى تنفيذ، مشيرة إلى توافر آليات تمويل، وأدوات وإرشادات أكثر قوة، لمساعدة الدول على الاستعداد للجفاف، قبل تحوله إلى أزمة. وشددت على أن التحدي الآن يتمثل في ربط هذه الأدوات، وتوسيع نطاق استخدامها، بمشاركة الحكومات وشركاء التنمية والمؤسسات المالية والقطاع الخاص.
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها المشاركون في دورة «أولان باتور»، أحرز المؤتمر تقدمًا نحو إنشاء صندوق عالمي مشترك للقدرة على الصمود أمام الجفاف، في إطار الشراكة العالمية للرياض للقدرة على الصمود أمام الجفاف (RGDRP)، يستهدف مساعدة نحو 70 دولة منخفضة الدخل ومن الشريحة الدنيا، من خلال بناء القدرات، وتطوير برامج قابلة للتمويل، ودعم الاستثمارات المرتبطة بمواجهة الجفاف.
وتعهدت المملكة العربية السعودية، المانح المؤسس للشراكة، خلال الدورة السابقة من المؤتمر (COP-16)، التي عقدت في الرياض، بتقديم 150 مليون دولار للصندوق، ومن المتوقع أن يفتح الباب أمام مساهمات إضافية من الحكومات والجهات المانحة، إلى جانب التمويلات التي توفرها بنوك التنمية والشركاء الدوليون، ومن بينها تعهد «البنك الإسلامي للتنمية»، و«صندوق أوبك للتنمية الدولية»، بتوفير ملياري دولار.
الدكتور أسامة إبراهيم فقيه، نائب وزير البيئة السعودي، أكد أن الاستثمار في الاستعداد للجفاف يمثل ضرورة عاجلة، مشيرًا إلى أن كل دولار يُنفق على الاستعداد، يمكن أن يحقق عوائد تفوق تكلفته عدة مرات عند وقوع الجفاف. وأوضح أن الشراكة تهدف إلى مساعدة الدول الأكثر تعرضًا للمخاطر، على تطوير وتنفيذ خطط الصمود، من خلال الابتكار، وتبادل المعرفة، وبناء القدرات، وتوسيع الشراكات.
وفي «يوم المياه» بالمؤتمر، برز إطلاق مرفق الاستثمار في القدرة على الصمود أمام الجفاف (DRIF)، بوصفه أول منصة عالمية للتمويل التحفيزي مخصصة لهذا المجال. ويهدف المرفق، الذي طورته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وحكومة لوكسمبورج، بدعم من التحالف الدولي للقدرة على الصمود أمام الجفاف (IDRA)، إلى استخدام التمويل العام لخفض مخاطر الاستثمار، وجذب تدفقات أكبر من رؤوس الأموال المؤسسية والخاصة، إلى مشروعات الأمن المائي، والزراعة المستدامة، والحلول القائمة على الطبيعة، واستعادة الأراضي.
وتعهدت لوكسمبورج بتقديم 5 ملايين يورو للمرفق، فيما يستهدف مرفق الاستثمار حشد ما يصل إلى 400 مليون دولار، من رؤوس الأموال العامة والخاصة. كما أعلن المرفق عن أول شراكة استراتيجية مع مرفق البيئة العالمية (GEF)، لاستكشاف سبل جذب التمويل الخاص والخيري، من خلال آليات التمويل المختلط.
وبالتوازي مع تطوير أدوات التمويل، شهد مؤتمر (COP-17) الكشف عن المرحلة الثانية من المرصد الدولي للقدرة على الصمود أمام الجفاف (IDRO)، الذي طورته اتفاقية التصحر، بالتعاون مع مركز «ييل» للنظم البيئية والهندسة المعمارية (Yale CEA)، وشركاء التحالف الدولي للقدرة على الصمود أمام الجفاف.
يضم المرصد أول مؤشر عالمي للقدرة على الصمود أمام الجفاف (DRI)، بما يتيح للدول تقييم قدرتها على التنبؤ بالجفاف، والاستعداد له، والتكيف مع آثاره، وتحديد مواطن الضعف، وتوجيه السياسات والاستثمارات بصورة أكثر دقة. كما تتضمن المنصة أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تساعد صانعي القرار والخبراء والجمهور على تحليل البيانات المعقدة، وتحويلها إلى مؤشرات عملية.
وأكدت ماريا خيسوس رودريجيز دي سانشو، المدير العام للتنوع البيولوجي والغابات والتصحر، أن التجربة الإسبانية، باعتبارها دولة متوسطية، أظهرت أن بناء القدرة على الصمود أمام الجفاف، لا يمكن أن يعتمد على جهود منفردة، مشيرة إلى أهمية الإدارة الاستباقية للمخاطر والاستثمار في أدوات القياس والتخطيط.
وشددت الدكتورة ياسمين فؤاد، خلال الحوار الوزاري حول القدرة على الصمود أمام الجفاف، على أن العالم لا يستطيع الانتظار حتى يتحول الجفاف إلى أزمة قبل التحرك، مؤكدًة أن الأدوات والشراكات والآليات المالية أصبحت متاحة للاستثمار في الاستعداد، وتقليل الخسائر، وحماية المجتمعات.